يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم
"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
"وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف , تؤكل حقوقها ,
وتبتز أموالها , وتحرم من إرثها , وتعضل بعد الطلاق
أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجا ترضاه وتورث كما يورث المتاع أو الدابة
عن ابن عباس قال : " كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه ,
فهو أحق بامرأته , إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها ,
أو تموت فيذهب بمالها
" . . وقال عطاء بن رباح . . " إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل ,
فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم " . .
وقال السدي : إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو إبنه ,
فإذا مات وترك امرأته , فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه
فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه , أو ينكحها فيأخذ مهرها .
وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها " .
وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل , فيتمتع الرجل بحقوقه
ولا تتمتع هي بحقوقها , يؤخذ مما تؤتي من مهر ,
وتمسك ضرارا للاعتداء . وتلاقي من بعلها نشوزا أو إعراضا ,
وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة . ومن المأكولات ما هو خالص للذكور
ومحرم على الإناث . وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من غير تحديد .
وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد .
ذكر الهيثم بن عدي - على ما حكاه عنه الميداني –
أن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة , فكان يستعمله واحد
ويتركه عشرة . فجاء الإسلام , وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد .
فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن .
ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء . أو شيماء [ سوداء ]
أو برشاء [ برصاء ] أو كسحاء [ عرجاء ] تشاؤما منهم بهذه الصفات .
ومنهم كان يقتل أولاده خشية الإنفاق , وخوف الفقر . .
"وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان ,
فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله , فلا يئدها إلا وقد كبرت ,
وصارت تعقل . وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات .
وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق" . .
ومن أرجاسها - وأصل هذه الأرجاس جميعا - :
الشرك والوثنية الهابطة الساذجة :
كما يصورها في إجمال الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه:
"انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها .
فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة , صنم خاص , بل كان لكل بيت صنم خصوصي .
قال الكلبي:كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه ,
فإذا أراد أحدهم السفر , كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به ,
وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضا" . واستهترت العرب في عبادة الأصنام , فمنهم من اتخذ بيتا , ومنهم من اتخذ صنما ; ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم , وامام غيره مما استحسن , ثم طاف به كطوافه بالبيت , وسموها الأنصاب . وكان في جوف الكعبة - البيت الذي بني لعبادة الله وحده - وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنما .
وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة .
روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي , قال:
كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجرا هو خيرا منه القيناه وأخذنا الآخر ;
فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب , ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به . وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا , أخذ أربعة أحجار , فنظر إلى أحسنها , فاتخذه ربا , وجعل ثلاث أثافي لقدره , وإذا ارتحل تركه .
"وكان للعرب - شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان :
آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب
. فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله , ويعبدونهم , ويتوسلون بهم عند الله . واتخذوا كذلك معه الجن شركاء لله , وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم , وعبدوهم .
قال الكلبي:كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن .
وقال صاعد:كانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وتميم الدبران .
ولخم وجذام المشتري . وطي سهيلا . وقيس الشعري العبور . وأسد عطاردا" .
ويكفي أن يتصفح الإنسان هذه الصورة البدائية الغليظة من الوثنية ,
ليعرف أي رجس كانت تنشره في القلوب والتصورات وفي واقع الحياة !
ويدرك النقلة الضخمة التي نقلها الإسلام للقوم , والطهارة
التي أسبغها على تصوراتهم وعلى حياتهم سواء .
ومن هذه الأرجاس تلك الأدواء الخلقية والاجتماعية , التي كانت في الوقت ذاته من مفاخرهم في أشعارهم ! ومن مفاخراتهم في أسواقهم ! من الخمر إلى القمار إلى الثارات القبلية الصغيرة , التي تشغل اهتماماتهم , فلا ترتفع على تلك التصورات المحلية المحدودة:
"هانت عليهم الحرب وإراقة الدماء حتى كانت تثيرها حادثة
ليست بذات خطر . فقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب إبني وائل , ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة , وما ذاك إلا أن كليبا رئيس معد , رمى ضرع ناقة البسوس بنت منقذ فاختلط دمها بلبنها ;
وقتل جساس بن مرة كليبا ,
واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب . وكانت كما قال المهلهل أخو كليب:
"قد فني الحياة , وثكلت الأمهات , ويتم الأولاد . دموع لا ترقأ , وأجساد لا تدفن"
"وكذلك حرب داحس والغبراء . فما كان سببها إلا أن داحسا فرس قيس بن زهير , كان سابقا في رهان بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر , فعارضه أسدي بإيعاز من حذيفة , فلطم وجهه وشغله , ففاتته الخيل . وتلا ذلك قتل , ثم أخذ بالثأر .
ونصر القبائل لأبنائها , وأسر , ونزح للقبائل , وقتل في ذلك ألوف من الناس" .
وكان ذلك علامة فراغ الحياة من الاهتمامات الكبيرة ,
التي تشغلهم عن تفريغ الطاقة في هذه الملابسات الصغيرة .
إذ لم تكن لهم رسالة للحياة , ولا فكرة للبشرية , ولا دور للإنسانية ,
يشغلهم عن هذا السفساف . .
ولم تكن هناك عقيدة تطهرهم من هذه الأرجاس الاجتماعية الذميمة . .
وماذا يكون الناس من غير عقيدة إلهية ? ماذا تكون اهتماماتهم
? وماذا تكون تصوراتهم ? وماذا تكون أخلاقهم ?
= = = =