وواصل صاحبنا حديثه الشجي :
ولعلى اذهب إلى انك لو تتبعت – في ساعة خلوة منفرد مع الله –
هذا الكون المليء بالعجائب على هذا النحو ،
وبهذا الحس لرأيت روحك تحلق وتسافر وتسمو
وأنت في مكانك لم تتحرك ..!
وإذا بروحك تعود إليك من سفرتها تلك محملة بهدايا السماء لقلبك المكدود ،
وذلك لأنك حيثما يممت وجهك لوجدت آيات تتوالى تترى تترى ،
وكل منها يقول لك ، وتسمع منه ... ويهتف بك ، وتشتاق إليه ،
فإذا بأسماء الله الحسنى تشرق في قلبك إشراقها حتى يضيء ويتلألأ .
فإذا أدركت ذلك جيداً " وتذوقته " ووجدت حلاوة متجلية في قرارة روحك
ستدرك يقيناً أنه ما من تشريع سماوي:
إلا وله حكمة وفيه حكمة ومعه حكمة ،
لأن مشرعة هو "الحكيم " سبحانه .
وبشيء من التفكير الهادي ستجد أن تلك الحكمة عائدة عليك
عليك أنت أيها الإنسان على هذه الأرض ..!
فهذه خطوة ثانية على الطريق ، ثم تنسحب هذه النظرة الروحية إلى :
إلى دائرة ابتلاء الله للإنسان بصنوف البلاء ..
فإذا بصاحب هذه الروح لا يضطرب اضطراب الناس ..!
ولا يجزع ذلك الجزع الذي يجعله فريسة سهلة للشيطان ..!
ولمَ الجزع ؟ ولمَ الهلع وقد أيقن أن ربه " الحكيم " سبحانه ..
وأن الأمر منه واليه ، وأن كل شيء بحكمه ولحكمة ..؟!
( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)
بل كيف ينتابه القلق العاصف وقد تذوق هذه المعاني الإيمانية
في قرارة قلبه ، وأحس بصيص أنوارها في روحه ..!؟
بل هناك شيء آخر ..
ينبغي أن تنتبه إليه ..
هو أن الآية الواحدة – من آيات هذاالكون الكثيرة والمتوالية والمتنوعة –
الآية الواحدة التي ستقرؤها بهذه الروح المتطلعة ،
يتجلي لك منها اكثر من اسم من الأسماء الحسنى ..
لا مجرد اسم واحد فحسب .. فافهم
قال الآخر وقد بدأ صدى هذه المعاني يتجلى على وجهه :
أرجو أن تضرب لي مثالا ؟
قال صاحبه :
نعود إلى الشمس ، لنتأملها جيداً ..
سيتجلى لك فيها : اسم الله " الحكيم " واسمه " الرحيم "
واسمه " المبدع " واسمه " اللطيف " وهكذا..
وهكذا تشرق في قلبك أسماء حسنى متعددة في كل مشهد
تقف أمامه متأملاً متفكراً متدبراً ..
وعلى هذا قس بقية الأسماء الحسنى ..
وذلك نعيم عجيب تتلذذ به الروح لذة لا تحسب من الدنيا في شيء !
إنك بهذا الأسلوب ، وبهذه الطريقة تدخل دائرة النور
وتسعد بها فتنسى فيها همومك ومتاعبك !
أو على الأقل يخف وقع أثرها على نفسك !
من هنا يا عزيزي تجد أن كثيراً من الأوهام التي تتصورها
ليست كذلك إلا فيحسك الغافل عن الله ،
لأن قلبك أمسى مغلقاً بغشاوة كثيفة بسبب بعدك عن ربك سبحانه .
يروى أن إبراهيم بن ادهم رحمه الله لقي رجلاً يكاد يتفجر هماً وغماً،
فقال له إبراهيم : أسألك أسئلة ثلاثة ، فأجنبي بما تعتقد :
هل يجري في هذا الكون شيء دون إرادة الله ؟!
قال الرجل : لا .. قال إبراهيم :
فهل يملك مخلوق أن ينقص من رزقك الذي حدده الله لك وقدره ؟
قال الرجل : لا ، قال إبراهيم :
وهل يملك مخلوق أن يقدم ساعة الآجل التي كتبها الله عليك في أم الكتاب ؟
قال الرجل : لا ...فقال إبراهيم في نبرة الواثق بربه :
ويحك !! فعلام الهم إذن ؟ علامَ الهم ...!!!
وسارع الرجل يعانق إبراهيم يقول :
فرج الله عليك كما فرجت علي .
صاح الآخر وقد تراقصت الفرحة في وجهه
حتى كادت أن تقفز من عينيه وهو يهتف في فرح طفولي :
وأنا والله أقول لك كذلك :
فرج الله عليك دنيا وآخره كما فرجت علىّ همومي بحديثك هذا ،
ووالله لن أكون مبالغاً لو قلت أنك غسلتني بكلامك هذا غسلاً قلبياً كاملاً
وها أنا اشعر بأني غير الإنسان الذي كنت قبل قليل .
قال صاحبه ، وقد ندت عيناه بالدموع :
ذلك فضل الله وله الحمد والمنة والشكر
وإذا بقيت لي كلمة فإني أهمس في أذنك قائلاً :
لقد انفتح أمامك طريق لسعادة الدنيا والآخرة ،
وعليك أن لا تغفل عنه ، ولا تلتفت إلى غيره ،
ولذا قيل : عامل الله وأبشر بخير ،
ارتبط بالله سبحانه دائماً أبداً وإياك الغفلة عنه .
ويصح لك الآن أن تناجي الله سبحانه بقول القائل :
إليك ، والاً لا تشد الركائبُ *** ومنك ، والاً فالمؤملُ خائبُ
وفيك ، والاً فالغرام مضيع *** وعنك ، والاً فالمحدث كاذبُ
كتبها بو عبدالرحمن