قسوتي مع جارتي الحمامة جعلتني أنثر لكم الفائدة
كنت يوماً من الأيام أحاول منع جوزٍ من الحمَام قد كان أزعجنا بأوساخه حين بنائه لِعُـشِّهِ على إحدى نوافذ البيت ، فكنت أراقب النافذة باستمرار ، فإذا رأيت العيدان الصغيرة التي هي بداية تأسيس العش قمت بإزالته مباشرة ، وهكذا كل يوم أذهب إلى النافذة فإذا رأيتُ عيداناً صغيرة أزلتها وأبعدتها ..
وإني ذات يوم حينما مررت على النافذة كعادتي وجدت المفاجئة ، نعم مفاجئةٌ هي ـ في نظري الشخصي ـ فلم أدري هل أبتسم أم أحزن أم أتعجب لما رأيته ! وبدأتُ أجول بفكري وأسرح به في كل مكان !
أتدرون ماذا رأيت ؟
بالطبع ستظنون أنها قد وضعت بيضها بدون عش ، أو أنها أخذت ريشاً من جسدها ووضعته ، بالطبع لا ، فهي أذكى من ذلك .
لقد شاهدت قطعاً مِن أسلاك الحديد الصغير، فقلت في نفسي لن أزيلها كي أرى ماذا تريد من هذا الحديد ، وحتى أحقق غايتها ، وهي أن الذي أزال عشها الخفيف ذو العيدان الصغيرة لن يستطيع إبعاده وهو بهذه الحال ، وبعد يومين وإذا بالعش كومة من الحديد الصغير ..
فيا ترى هل فكرتم لماذا اختارت الحديد الذي استطاعت حمله بفمها بعد عناء ومشقة ، ولو كانت قادرة على حمل أثقل منه لحملته ـ حتماً ـ لتأسيس بيتها وحمايته من المخاطر !
سبحان الله .. فهل أدهشكم هذا الموقف ؟ لعلكم .. ولعلكم تستغربون عن المُدهش في هذه القصة ؟
إذا كان هذا حال هذه الحمامة الضعيفة في تأسيس بيتها كيف بنا نحن البشر في تأسيس بيوتنا وإيماننا واستقامتنا .. لقد وعت هذه الحمامة قول ربها القائل سبحانه : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جُرُفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) .
كم نحن بحاجة إلى تأسيسٍ ثابت لإيماننا وإسلامنا تجاه تيارات الغزو الفكري الذي يلوح على مجتمعاتنا بين الفينة والأخرى .. ثباتاً حقيقياً ( .. كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .. ) .
وأخيراً .. لعلكم قد لمستم عظم إصرار هذا الطير وصبره وإلحاحه وهو يكسر بعزيمته اليأس والعجز طوال أيام البناء والتأسيس ، وكيف أنّه استطاع بما آتاه الله من عقل أن يُفكر ويُعمل عقله لإيجاد حلٍّ لما يحصل له أثناء بناء عشه ، إنها حمامة تُفكر بعقلية كي تعيش ، وأناس يفكرون بغباء كي يموتون ..
أخي الحبيب .. ليس عيبا أن نستفيد من أحداث ما حولنا من مخلوقات وكائنات وخصوصاً إذا كان فيها العظة والعبرة ، وإليكم هذا الطير الغريب حينما تذكرته في قصتي هذه وهو طائر يُسمى ( القِرلّى ) ..
قيل: إِن القِرِلَّى طير من بنات الماء صغير الجرم ، سريع الغَوْص ، حديد الاختطاف ، لا يُرَى إِلا مُرَفْرِفاً على وجه الماء على جانِبٍ ، يهوي بإِحدى عينيه إِلى قَعْر الماء طَمَعاً ، ويرفع الأُخرى في الهواء حَذَراً ، وروي في أَسْجاع ابنة الخُسّ : كُنْ حَذِراً كالقِرِلَّى ، إِن رأَى خيراً تَدَلَّى ، وإِن رأَى شرّاً تَوَلَّى .
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ..
........................
* أترك لك أيها القارئ الكريم فرصة للتعبير عمّا في نفسك تجاه هذه القصة عن طريق تعقيبك وتعليقاتك لعل الله أن ينفع بها ..
أخوكم : جمال بن عبدالله العُمري الزهراني