السؤال الثالث:
قال تعالى:
"لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُوُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِهُمْ فِيهَاخَالِدُونَ" سورة يونس
التفسير:
يقول صاحب الظلال: هم ناجون من كربات يوم الحشر ، ومن أهوال الموقف قبل أن يفصل في أمر الخلق ...
{ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة }، والقتر هو: الغبار والسواد وكدرة اللون من الحزن أو الضيق. والذلة : الانكسار والمهانة أو الإهانة . فلا يغشى وجوههم قتر ولا تكسو ملامحهم الذلة..
والتعبير يوحي بأن في الموقف من الزحام والهول والكرب والخوف والمهانة ما يخلع آثاره على الوجوه ، فالنجاة من هذا كله غنيمة ، وفضل من الله يضاف إلى الجزاء المزيد فيه
ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: والمعنى : للذين أحسنوا جنسُ الأحوال الحسنى عندهم ، أي لهم ذلك في الآخرة . وبذلك تعين أن ماصْدقها الذي أريد بها هو الجنة لأنها أحسن مثوبة يصير إليها الذين أحسنوا....
والزيادة يتعين أنها زيادة لهم ليست داخلة في نوع الحُسنى بالمعنى الذي صار علماً بالغلبة ، فلا ينبغي أن تفسر بنوع مما في الجنة لأنها تكون حينئذٍ مما يستغرقه لفظ الحسنى فتعين أنها أمر يرجع إلى رفعة الأقدار ، فقيل : هي رضى الله تعالى كما قال : { ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر } [ التوبة : 72 ] ، وقيل : هي رؤيتهم الله تعالى . وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة ، قال : فيُكشف الحجاب ، قال : فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه . وهو أصرح ما ورد في تفسيرها .
والرهق : الغشيان . وفعله من باب فرح .
والقَتَرُ : لوْنٌ هو غُبرة إلى السواد . ويقال له قترة والذي تخلص لي من كلام الأيمة والاستعمال أن القترة لون يغشى جلدة الوجه من شدة البؤس والشقاء والخوففِ . وهو من آثار تهيج الكَبد من ارتجاف الفؤاد خوفاً وتوقعاً .
والذلة : الهوان . والمراد أثر الذلة الذي يبدو على وجه الذليل . والكلام مستعمل في صريحه وكنايته ، أي لا تتشوه وجوههم بالقتر وأثر الذلة ولا يحصل لهم ما يؤثر القتر وهيئة الذلة
وليس معنَى نفي القتر والذلة عنهم في جملة أوصافهم مديحاً لهم لأن ذلك لا يخطر بالبال وقوعاً بعد أن أثبت لهم الحسنى وزيادة بل المعنى التعريض بالذين لم يهدهم الله إلى صراط مستقيم وهم الذين كسبوا السيئات تعجيلاً للمساءة إليهم بطريق التعريض قبل التصريح الذي يأتي في قوله : { وتَرهقهم ذلة } إلى قوله : { مظلماً } [ يونس : 27 ] .
وجملة : { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } نتيجة للمقدمة ، فبينها وبين التي قبلها كمال الاتصال ولذلك فصلت عنها ولم تعطف .
واسم الإشارة يرجع إلى { الذين أحسنوا } . وفيه تنبيه على أنهم استحقوا الخلود لأجل إحسانهم نظير قوله : { أولئك على هدى من ربهم } [ البقرة : 5 ]
وفي قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ ذكر النابلسي كلام جميل فقال:
أحسن بماذا؟، هناك قاعدة في اللغة، إذا حذف المفعول أطلق الفعل، يعني أحسنوا في كل شيء، أتقن صنعته، أحسن، أتقن كلامه، أحسن بكلامه، لم يتكلم كلام منحرف، أحسن اختيار زوجته، أحسن تربية أولاده، أحسن علاقته مع جيرانه، أحسن علاقته مع إخوانه أحسن علاقته مع أولاده.... أن علاقاته كلها أساسها الإحسان،الانضباط والإحسان، الاستقامة، إعطاء كل ذي حق حقه، فإذا أردت أن ترفع رأسك، إذا أردت أن تتمتع بمكانة لا يستطيع إنسان كائن من كان أن ينالك بالأذى، أو أن يغض من مكانتك فأحسن.....
﴿أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) - سورة الليل -.
إن أردت العزة أحسن، إن أردت الذل أسئ، فالإساءة تؤدي إلى الذل الإحسان يؤدي إلى العز.
كيف أستفيد من هذه الآية؟
من خلال الإحسان في اختياراتي، فالحياة أساسها إختياراتنا.