الموضوع: عشق عابر
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2008-03-10, 1:36 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي عشق عابر
عشق عابر


للكاتبة / حزامة حبايب



سكنتُ مدنا كثيرة ، وهي سكنتني ، لم آتها باحثة .. عاشقة

بل كنتُ أخفُ إليها حزينة ، هاربة من بحث عقيم أو من عشق سقيم ..

أحمل في متاعي كل ما خفّ شوقه وغلا ألمه !

قد تتمنع عني المدن ، قد تضن علي بمفاتيح بواباتها ، قد تلفظ شوارعها خطوي

قد تبتلع أرصفتها ظلي ، قد تكنس نهاراتها اشتياقي ، وقد تطفئ لياليها أقماري البعيدة

لكنها في النهاية كانت تعطيني السكن !

لقد أصبح لي مدن جديدة ..

أقول لنفسي : أصبح لي أهل وناس جديدون ، أهل هذه المدينة

أحبّ المدينة وأحب أهلها ، يأخذني المدى المنبسط في بحرها وصحرائها حيث الأشياء تبدو لا نهائية

أو قد تغويني عتمة غاباتها ، حيث ثمة احتمال دائما أن ينبت سحر بين الدروب الملتفة ..

أحفظ شوارع المدينة ، أميّز أزقتها و " دخلاتها " الملتوية ، فلا أعود أتوه فيها

لا أعيش على هامشها ، لا أعاينها من نافذة فندق كسائحة ..

أتسامح مع تشوهاتها ، أتعايش مع تناقضاتها ، وأستطعم مذاقات الحياة فيها ولا أبصقها ..

أصبح ابنتها المخلصة بامتياز !

أصبح ابنتها المخلصة بامتياز بعدما أنستُ لنهاراتها ولياليها ، لسكونها وصراخها ، ضحكاتها وبكائها ..

لكنني مع ذلك أكون حذرة !

حذرة في الحب والحياة ..

أحب المدينة بحذر ، أحب حياتها بحذر ، وأحب أهلها بحذر

لقد تعودت حين أحبّ مدينة ما ، ألا أحبها كثيرا !

دربت نفسي على أن أترك مسافة حزن محتمل ، وفَقد مرتقب بيني وبين مدني

وإذا وجدت عشقا ما فيها يناديني ، ألكزُ قلبي فيولي هاربا !

غدا أرحل .. أذكّر نفسي

فلأرحل بأقل قدر من الوله ، والتعلق ، والعشق

قننتُ حتى غرامي بالبشر ، يجب ألا أحبّ أكثر مما ينبغي للحبّ أن يكون عليه

ومن الأفضل ألا أسمح لعشقي أحدهم بأن يسلبني وعيي بالترحال الوشيك أو الخذلان المحتمل

أعي دائما وأبدا أن عليّ أن أترك فراغا فضفاضا من اللاشعور ، يمتص الهجر والمرارة والإحباط والهزيمة ، في عشق البشر وعشق المدن !

كل شيء عابر : المدن عابرة ، والناس عابرون ، والعشق عابر

أغلق نافذتي على ليل المدينة : غدا أعبرها .. وأرحل

***

المؤلم جدا

أنني حين أقع

لا أجد جدارا .. متكـأ

لا أجد مدينة .. حضنـا

ولا حتى ظلال بشـر !

.