وردةٌ بﻼ ساقي
معزوفة الغياب عنك يا حواء...! *
في روضة غناء وعلى ربوة ذات قرار ومعين، كانت تعيش باهية المحيا، باسمة الثغر،
تفوح بكل ريح طيب، تراها العين فﻼ تملها، يحفها عن يمينها نهر وعن شمالها نهر،
تترامى عليها أفياء الحب اللطيفة، وتستر محياها أوراق الحياء الخضراء،
وعلى جفونها تتراقص نغمات الفرح، عبقها يسري فيعانق كل روح حولها،
الجميع هنا يعلن خوفه عليها، وتضحيته من أجلها، لم تكن وردة فحسب،
بل هي لون آخر تصبغ به دنيا الحياة.! * كل من يراها في ذلك الحقل المحفوف باﻹزهار،
وجميل الشجر والثمار، يعلن انتماءه إليها، ويسعى ﻷن يقرب من نفسه ما هو من جنسها ومثيﻼتها، لست أدري هل السر في جمالها.؟ أم في عبق ريحها.؟ أم في أصل منبتها ووجهتها.؟ أم في ثمنها وقيمتها.؟ وظني أن شيئاً من ذلك ﻻ يكاد يفارقها.! * القلوب دائماً تشتاق إلى ما تحب،*
فأحياناً قد يكون الشوق لمكان خرب عشت فيه لحظة ذكرى،
وأحياناً إلى كتاب ضاع منك بعد طول عهد ومرافقة، وهكذا قد يكون الشوق إلى وردةٍ تعيش في رابيةٍ بعيدة عنك،
تحاول أن تشتريها فيقال: في مثل هذه الروابي ﻻ تباع الورود.! ولماذا.؟ فيقال: هي أعظم من أن تهدى.! يالله.. * وكيف فكاكي: خذها بعهد الله وذمته.! * انتزعت الوردة الحمراء الجميلة من جذوعها وهي تجود في تلك اللحظات،
وعلى مشارف تلك الروابي بالندى الذي ﻻ يغادر مورد محياها، نعم.. تجود به لنهرها وأفيائها وأوراق الشجر التي كانت تكسو حياءها، يا لقلبي كم هي خائفة أن ﻻ تجد في بستانها وحديقتها من يسقي أغصانها، ويهتم بحياتها، إنها تخاف الذبول الذي قد يحجبها عن الحياة،
أو قد يجعلها عاجزة عن أداء مهامها وواجباتها في إضفاء السعد والهناء لمن يدورون حولها.! * انتقلت الوردة إلى عالمها الثاني، ورأت في شهورها اﻷولى الرعاية والحب، والعطاء والتضحية،
حتى خيل إليها أنها
(ملكة مثيﻼتها)،
فهنا يد حانية ترعاها، تمسح عن محياها أساها، تتلطف بها حين تلقاها، تحاول حمايتها من رياح الخوف والقلق التي قد تعصف بها إلى بيادي البؤس والهﻼك،
لقد حظيت بالعيش الهنيء الذي يكفل لها حقوقها وكرامتها، والراعي اﻷمين الذي يحفظ سرها وجهرها، فهنيئاً لها هذا الهناء المحفوف بالرحمة والمودة بينها وبين ساقيها.! * ومرت شهور السعد والبهجة والسرور كلمح البصر، وأتت سنوات عجاف أهلكت الحرث والنسل،
وأبادت الخير الذي في قلوب الناس،
فاستبدلوا الثمين بالمهين، والجميل بالقبيح، والحﻼل بالحرام، والحسن بالسيئ،
وهكذا حتى وصل بهم الحال إلى القطيعة والشحناء والبغضاء،
وهل هذا إﻻ ثمار الذنوب والهجران.؟ * لقد كان للوردة الحمراء أوفر الحظ والنصيب
من ذلك الوبأ المسموم، تغير صفوها، واصفر وجهها،
وأصبحت أسيرة في تلك الحديقة المهجورة، غاب عنها من كان يسقيها ماء الحياة،
غاب الذي ربطت به كل آمالها وطموحاتها،
غاب الساقي الحنون الذي مﻸ كل أركان قلبها،
غاب الحب والعطف والحنان، غابت الرحمة والمودة والبسمة والكلمة الطيبة.! *
لم يكُ ذاك الساقي ميتاً فتبكيه الوردة بجمان عينيها،
ولم يكُ مشلول اﻷركان فتلتف عليه بلطيف أغصانها،
ولم يكُ سقيماً يشكو وجعاً أو جرحاً فتضمد جرحه بأوراقها،
ولكنه حيٌ تراه كل يوم في صباحها ومساءها.!
تحاول أن تغريه ببسماتها فﻼ ترى إلى التكشير.! تتلطف إليه بانكسارها فﻼ ترى إﻻ اﻹعراض والنفور.! تسترحمه بذبولها وجفافها
فﻼ ترى إﻻ القسوة والغلظة.! * يا الله..*
كم هو تعيس ذلك الساقي حين يقتل الحياة في قلوب من يعيشون حوله
ثم يطالبهم بالحراك العاطفي نحوه.؟
نعم كم هم منحوس حين يقتل أحﻼمهم وآمالهم وطموحاتهم وكل جميل فيهم ثم يطالب بالمثالية المستحيلة.! * وهكذا تبدوا حياة الكثيرات من بنات حواء،
تعيش السعادة حينا من الدهر، ثم يعانقها الشقاء الدهر كله،
فتتمنى أن لو كانت شجرة تعضد، أو شيئاً ﻻ يعقل معنى الحياة
لتتخلص من هذا العبء الثقيل الذي رماه عليها ذلك الزوج المنحوس.! *
وهنا ثمة وصية إليك يا حواء الخير تأمليها
وهي: (إذا كان الرجل قد يبحث عن "الدين، والجمال، والنسب، والمال"
فعليكِ
أن تبحثي عن "الدين والخلق"
فبهما سيكون عيشكِ آمن في كنف العدل، وربوع السجايا الحميدة،
وفي الحديث "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" فإذا لم يكن*البحث في هذا المدار المنوط بالسعادة والهناء،
فليكن الشقاء رفيقكِ في ذلك البستان القاحل اﻷجدب،
وليكن ذبول الوردة الحمراء مصيركِ المحتوم،
فليس وراء ذلك من ساقي إﻻ أن يشاء الله أمراً*﴿*وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا*﴾ [النساء: 47].
* وهنا وقفة مع أصحاب المروءة والرجولة
تذكروا وصايا نبيكم - صلى الله عليه وسلم -:
(خيركم خيركم ﻷهله)،
(إنما هن عوان عندكم)، (اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)،
(رفقاً بالقوارير)*صلى عليك الله وسلم يا خيرة خلق الله.
رشيد المطران