عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-01-31, 7:31 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي

فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه الصحابة بأبي أنت يارسول الله ، قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، والإنسان على قدر عزيمته ورشده وفلاحه ، وكلما عني الإنسان بنفسه ، واهتم بتزكيتها ، تشوّف الصالحون لصحبته ، وعرف قدره ، وتشرّف كل مخلوق بالقرب منه ، لقد كان أبو بكر رضي الله عنه نموذجاً في ذلك كله فصار خليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه . وهو طريق مسلوك من عهد المرسلين ، ومن سمت همته شرف الآخرون بصحبته والله المستعان ! فقال أبو بكر ، فخذ بأبي أنت يارسول الله إحدى راحلتي هاتين ، قال صلى الله عليه وسلم بالثمن ، وأنت ترى هنا في هذا الموقف استعلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفته حتى عن مال صاحبه ، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة على طريق الأنبياء والمرسلين ، إنهم أعف من أن يحتاج الواحد منهم إلى صاحبه فكيف بعامة الناس ودهمائهم ؟ ! أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر حتى في مثل هذه الظروف التي هو في أمس الحاجة إلى العون والرفقة والدعم أنه يأخذ بشرط أن يكون لذلك مقابلاً ! وهذا منهج كبير في حد ذاته ، ومتى كانت أيدي الدعاة ممدودة لرزق مخلوق على وجه الأرض يعطي اليوم ليمُنّ غداً ؟ بل متى كانت رقابهم تتشوّف وتشرأب إلى طمع في يد مخلوق ؟! لقد كان قول الله تعالى على لسان أنبيائه : " قل لا أسألكم عليه أجراً " أشهر من علم في تاريخ المصلحين على وجه الأرض من فجر الإسلام إلى يومنا هذا .. وينبغي أن تكون كذلك إلى قيام الساعة .. وليعلم الدعاة أنه بقدر ما تمتد أيديهم إلى شيء من سفاف الأرض أو حطام الدنيا فإنما تنحط من رتب الفضيلة إلى عالم المتسولين الضعفاء ، والله المستعان ! إنه حين يحتاج أحد الدعاة إلى إخوانه فضلاً عن الناس ينبغي أن تكون كلمة :" بالثمن " هي منهج حياته ، وحين يجد وداً أو صدقاً من مثل أعوانه إلى الفضيلة فليردها أو ليرد أحسن منها اقتداءً وامتثالاً بمناهج الأنبياء . والله المستعان ! قالت عائشة فجهزناها أحث الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ـ أي زاداً في جراب ـ فقطعت أسماء قطعة من نطاقها ـ وهو ما يشد به الوسط ـ فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق ، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف ـ أي حاذق ـ لقن ـ أي سريع الفهم ـ فيدلج من عندهما بسحر فيصبح من قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهم بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة ـ مولى أبي بكر ـ منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رِسْلٍ ـ وهو اللبن الطري ـ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس ـ أي يصيح يغنمه ـ يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث ، وهذا كله من كمال العقل ومنهج الشرع ، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إن الاعتماد على الأسباب شرك ، وتركها بالكلية قدح في العقل . اهـ وأنت ترى هنا أن رسولك صلى الله عليه وسلم جهد في أخذ كافة التدابير ، وعمل كل ما يلزم في الاستفادة من الأسباب المادية والمعنوية ، وتهيأ لهذه الرحلة تهيئ العقلاء ثم بعد ذلك يبقى الأمر لله تعالى من قبل ومن بعد . واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هادياً خِرّيتاً ـ والخريت هو الماهر بالهداية ـ وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صُبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة ، والدليل ، فأخذ بهم طريق الساحل ، وثمة درس في استئجار المشرك في هذا الموطن الخطير ما ينبئك بجواز استئجار أهل الكفر والشرك بشرط أن يكونوا مؤتمنين ، إن القيم التي توجد عند المسلمين اليوم هي كذلك عند أهل الكفر والشرك لا فرق إلا في سُلّم هذه الأولويات فقط ، ذلك أن كل هذه القيم التي جاء بها دين الإسلام هي مما تقره العقول ويرتضيه أولو الألباب ، وحين تتكوّن في فرد من الناس حتى لو كان مشركاً لا حرج في الاستعانة به ، وقل مثل ذلك في أهل الفسوق والعصيان ، والله المستعان ! وتمكن المشركون من اقتفاء أثرهما حين علموا بخروجهما من مكة ، ووصلوا إلى الغار ، ووقفوا عليه حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا فقال صلى الله عليه وسلم اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما ، وقد أشار الله تعالى في كتابه الكريم إلى ذلك بقوله : " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " إن الثقة بالله تعالى أعظم ما ينبغي أن تكون في نفوس الدعاة بشرط أن يسبقها الإعداد المادي ، وحين يكتمل وسع الإنسان في تدابير النجاح عليه أن يدرك أنه يسير في رعاية الله تعالى ، وهو حافظه وناصره ومعليه . وهل سمعت الأمة في الثقة بوعد الله تعالى أعظم من هذه الكلمة : " يا أبا بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما " لله در الأنبياء في معرفتهم بربهم ! ولله درهم في معرفة قدره ! ولله درهم حين يقوم بقلوبهم سر تعظيم الله تعالى وتوحيده . إن الأزمات فقط هي كير العقيدة الحقة في قلوب الرجال ، وحين يقف الداعية في مواقف الأزمات ثم تجد قلبه يمتلئ ثقة في ربه فاعلم أن ما سوى ذلك من التوحيد هباء لا فائدة فيه . إن كثيراً من المتشدقين بكلمة التوحيد في مواقف النعم هم أول من يخسر في مواقف المحن . أما نبينا صلى الله عليه وسلم فأمم الكفر بكل ما تملك من وسائل الدنيا تقف على فم الغار وهي تجيش كمداً وغيضاً ثم لا تصل إليه مع أنه أقرب إلى الواحد منهم من شراك نعله ، وهم مع ذلك كله يعلم يقيناً أنه لا سبيل إليه ما دام أن عين الله تعالى ترعاه وتكلؤه وتحفظه عن أنظار المخلوقين . إن العقيدة تصنع من المضغ الصغيرة حجارة صلبة لا تدكها الأحداث مهما كانت كبيرة أو قوية ! إن هذا المنهج الذي يضربه لنا القدوة هو أعظم منهج في حياة الدعوات ، وعلينا إذا أردنا النجاح أن نستعد بكل ما يمكن من أدوات النجاح الحسية ثم علينا أن ننطرح بين يدي الله تعالى ذلاً وخشوعاً وضعفاً طالبين النصرة ، داعين بالثبات والتوفيق .