* كيف نفكرُ التفكير الإيجابي القويم؟
من خلال العرض السابق للأسباب التي أدَّت إلى أن يتقلص التفكير المنشود وهذه الحال التي نشهدها في العالم العربي والإسلامي؛ فإنَّ التشخيص لهذه الأسباب نصفُ العلاج، ونحن لو عكسنا جميع ما ذكرناه من الأسباب التي أدَّت إلى انكماش دور التفكير في المجتمعات الإسلاميَّة؛ فسنجد في ثناياها الحلولَ الناجعةَ والفوائدَ الناجحةَ لتخطي عقبة السد الذي يمنع أكثرَ هذه الأمَّةَ من التفكير المرجو.
(وقد يتساءل الناسُ: هل يحتاج الإنسانُ أن يتعلم كيف يفكِّر؟ أوليس الإنسانُ مفكراً بطبيعته؟ والجواب عن ذلك أن يقال: الإنسانُ في حاجة إلى تعلم طرق التفكير والتدرب على مهاراته، كحاجته إلى أن يتعلم كيف يتكلمُ، وكيف يعاملُ الناس)[1]
ومن هنا أحببت أن أضع عدَّة سبل كفيلة بإذن الله عزَّ وجل لتنمية دور التفكير وتفعيله، والتي تؤسس لجيل مفكر نهضوي يسعى لبناء أمَّته ومجتمعه، ومن ذلك:
1) سعي العلماء والمفكرين والتربويين ومحاولةُ ضغطهم على وزارات التعليم والتربية لإدخال مادَّة من قبيل:(تعلم كيف تفكر، ومهارات التفكير وأنماطه، وخطواته).
2) سعيُ أهلِ الخبرة والتفكيرِ لبناء معاهدَ ومراكز وجمعيات تتكفَّل وتتطلَّعُ إلى بناء جيل حيويٍّ فاعل يفكر بمشكلات أمَّته، ويحاول أن يرسمَ الخطوطَ لكيفيَّةِ تجاوز الأزمةِ التي تمر بها.
3) عدم اليأسِ من التفكير، وعدم الالتفات إلى كلام المثبِّطين والكسالى.
4) الاستفادةُ من جميع التقنيات التي وصلت إليها أمم الشرق والغرب، التي تخدم التفكيرَ ووسائلَه، واستبعاد ما لا يتسق مع عقيدة أهل السنَّة والجماعة والمنهج الإسلامي.
5) زرع روحِ الأمل في قلوب الأمَّة، وبذر بذور العزة والكرامة لدى النَّشء والجيلِ المسلم، ليتربَّى على الاحتفاظِ بشخصيته، والاستعلاء على كل عقيدةٍ تنافي العقيدة الإسلاميَّة. وإذا كان نلسون مانديلا يقول لشعبه :(حرروا عقولكم من ثقافة الرجل الأبيض تحرروا أرضكم من هيمنته)، فإنَّ الإسلام قد ربَّى فينا العزَّة وروح الاستعلاء على من يدين بغير دين الإسلام، ولهذا يقول عن أولئك المنهزمين الذين يبتغون العزَّة عند أهل الكفر:(أيبتغون عندهم العزَّة فإنَّ العزَّة لله جميعا).
6) شرح أبعادِ ضرورة التفكير وأهميته لدى الجيل المسلم، ولماذا ندعو إلى التفكير؟ وخطورةِ البعد عنه، والتهاونِ بشأنه، وإبراز خطورة ترك هذه الفريضةِ المهمة، ومعرفة أنَّ الذين لا يفكرون هم أشد عقماً من الذين لا يلدون؛ كما قال أحد المفكِّرين، وإدراكُ ما للتفكير من فوائد جليلةٍ قد لا نلمسها في الوقت الآني، ومعرفةُ أنَّ أكبر فائدة نجتنيها هي العودةُ بالأمَّة إلى روحِ العزَّة والسؤدد، وأنَّ لها ماضياً عريقا في الفكر والتفكير لابدَّ من استعادته، وأنَّ التفكير يفتح لنا آفاقا واسعة للاستفادة من معلوماتنا واستثمارها في مجالات العقل المفكر، والذي يجعلُنا نقومُ بتطوير معلوماتنا شيئاً فشيئاً، ونحسن التعامل مع المستقبليات بعلم وحذر وهدوء وبعد نظر وتخطيط.
7) إبراز القدواتِ القديمة والحديثة المعاصرة من الشخصيات المبدعة والمفكرة والعلماء المخترعين والعلماء الذين يمتلكون آليات الاستنباط وأدوات الاجتهاد، وجعلُهم مثالاً يُحتذى لأبناء المسلمين وفتياتهم، وعلى رأسهم نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، واستنباط ما يدعو إلى التفكير وحسن التأمل والنظر في الأمور وفي عواقبها من سيرته وهديه وسنته.
8) مواصلةُ الاطِّلاعِ على أفكار أهل الخبرة، ومن صقلتهم التجارب، وكما قيل: " كمال العقل طول التجارب" فهذه الجهود ستكوِّن لدى المطَّلع حصيلة تراكميَّة تسنده وتعزِّز لديه الأفكار التي يحاول أن يستخرجها من عصارة عقله وفكره.
9) مجالسة المفكرين وأهل الفكر والتجارب، والاستفادة منهم ومن طريقة تفكيرهم، وقد قيل للإمام الشافعي رحمه الله: أخبرنا عن العقل؛ أيولد به المرء ؟ فقال: لا, ولكنه يلقحُ من مجالسة الرجال ومناظرة الناس .
10) العودةُ إلى الإسلام، عودة حقيقيَّة ففي كتاب الله وسنَّة رسوله ما يدعو إلى التفكير الإيجابي الذي يدعو إلى الرشد والفاعليَّة لإصلاح النفس ونصرة الأمَّة.
* هل يمكن تعلُّم التفكير وتعزيزه في العقل؟!
مهارةُ التفكير هي القدرة على تشغيل العقل والتفكيرِ بفاعلية، ومهارة التفكير تحتاج إلى التمرُّن للتعلُّم على اكتسابها، مع التطوير والتحسين المستمر في أداء عمليَّة التفكير، والصبر على ممارستها.
وبناء عليه، فالتفكيرُ ضرورة ماسَّة للفهم والاستيعاب، واتخاذ القرار، والتخطيط، وحل المشكلات، وللحكم على الأشياء، وللإحساس بالبهجة، والاستمتاع، والتخيل، إلى غير ذلك من فوائده وضروراته.
ولنضرب مثلاً على التفكير في مشروع ما تريد إنجازَه وتحقيقه، فإنَّه بإمكانك أن تفكِّر فيه فردياً أو جماعياً، وتستخدم شيئاً من أساليب التفكير، ومنها: العصف الذهني، فتقوم بتحديد الفكرة التي تودُّ أن تفكِّر بها، ليكون التفكير منظَّماً في البداية، وتضع مدَّة محدَّدة لجلسة العصف الذهني، ومن ثمَّ تحدِّد الخطوات بشكل واضح وتكتب أفكارك ولا تدع أفكارك في الخيال، بل اكتبها واجعلها تتجسد أمام عينيك.
لقد روي عن الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ أنه كان ينام، ثم تأتيه الفكرة والخطرة فيقوم ويوقد السراجَ ويدون هذه الفكرة ثم يطفئ السراج وينام، فتأتيه فكرة أخرى فيقوم ويوقد السراجَ ويدون الفكرة ويطفئ السراج ثم ينام، وقيل: إنَّه كرر هذا الأمر في بعض الليالي أكثرَ من عشرين مرَّة.
وإن كنت تفكِّر جماعياً فادع المشاركين جميعَهم إلى أن يطرحوا أفكارهم بحريةٍ تامَّة، ولا تناقشْ شيئاً منها أثناء الدورة التفكيريَّة التي تقومون بها، كما تعين شخصاً لكتابة الأفكار كما هي، أو تقومُ أنت بكتابتها، واخترْ في نهاية الجلسةِ الأفكارَ الأفضلَ، ثمَّ قوِّم الأفكار المختارة.
وحين تتراكم عندك الفكرة الجيدة؛ فليس مهمَّاً أن تكتُبَها فقط، بقدر ما تقوم على تعزيزها وتطويرها، والعملِ على تنفيذها، وكما قيل:(اقرأ وفكِّر واعمل).
فاسأل نفسك: كيف أجعلُها تعمل؟ وما ميزاتُها؟ وكيف نتغلَّب على عوائقها ونواقصها؟ وكيف نجعلُها تبدو أكثر متعة وإبداعا؟ وكيف يمكننا إقناع الآخرين بها؟.
كلُّ هذه الأسئلة ينبغي علينا أن نسألها أنفسنا ليكون أسلوب تفكيرِنا موضوعياً وقويماً،حتَّى لا نكونُ ممَّن يفكِّرون تفكيراً خاطئاً أو مؤذياً، فالأسلوب الذي نفكِّرُ فيه هو الذي يحدِّد مسارَنا في المستقبل!
* وأخيراً:
فهذه دعوةٌ لجميع شرائح الأمَّة المسلمة بأن يهتموا بهذه الفريضةِ المنسيَّة، ولنكن على يقين أنَّه حين تتخاذلُ العقول المفكِّرة في الأمَّة عن أداء أماناتها؛ فلن تبقى سوى الأيدي العاملةِ تكرر المنجزَ دون تجديد أو إضافة، فضلاً عن افتقاد الإبداع؛ كما يقول أهل الفكر.
لقد كان الفيلسوف الفرنسي ديكارت يقول:(أنا أفكر إذاً أنا موجود)؛ لأنَّ التفكيرَ دليل على بقاء حياة المرء، وأنَّه ما يزال يستطيع أن يحقِّق منجزاته، وأمَّا إن كان المرءُ يعيش على الأوهام والأماني والأحلام فليعلم أنَّ ذلك لا يفيدُه شيئاً.
إنَّ استغلال الوقت بالتفكير يدل دلالة واضحة على أنَّ من يفكِّرُ هو الذي سيكون صرحاً شامخاً في بناء نفسه ومجتمعه، وقد قيل: عقل الكسلان بيت الشيطان، فليتق كل امرئٍ فينا نفسَه، ولا يجعل عقله مأوىً لتسرح فيه وساوس الشياطين.
والمسلم يختلف عن الكافر بأنَّ المسلم متعلِّق بالله تعالى في أحوال تفكيره جميعها، ويرجو من الله عزَّ وجلَّ أن يلهمه الصواب وأن يمنَّ عليه بالرشد، فنحن أهل الإسلام قادة الدنيا، ولقد تعلَّم منَّا الغرب وغيره القيمَ والمبادئ والحقائق الفاضلة الكريمة، ولقد قالها تشارلس ولي عهد بريطانيا حيث نطق: (إننا نحن أبناءَ الغرب نحتاج إلى معلمين مسلمين يعلموننا كيف نتعلمُ بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا).
وإلى هنا يقف بنا الحديث في هذا المقال، وأسأل المولى عزَّ وجل أن ينفع بما قلنا، وأن يجعلَه حجَّة لنا لا علينا، والله حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ملاحظة:
نشر هذا المقال في موقع المسلم