الموضوع: لماذا لا نفكر؟
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-01-29, 2:26 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
* لم لا يفكِّر المسلمون تفكيراً إيجابياً ؟
أفضل طريقة لعلاج المشكلة أن نعرف أسبابها وجذور إشكالياتها، ثمَّ نقفُ عندها وِقفة مراجعة؛ لكي نعرف السبيل الصحيح والطريق الواضح لتخطي هذه العقبات والعراقيل التي تعترض طريقنا نحو التفكيرِ الإيجابي السليم.

لعلَّ من أسباب ضعف تفكير كثير من أبناء أمَّتنا المسلمة، ما يلي:

1) ضعفِ الأساليب التربويَّة في الأعمِّ الأغلب.
وذلك أنَّ جلَّ الأساليب التربويَّة التي اعتدنا عليها أو التي نشأ عليها أكثرُنا لا تستخدم أساليب البناء الفكري، وطرق الحوار الراقي، وتحسين طريقة التفكير لدى البراعم منذ الصغر ، ويساعد على ذلك ضعفُ كثير من الآباء والمدرسين وعدم كفاءتهم لإعطاء الأبناء والطلاب جرعاتٍ حيويةً للرقي بمستوى فكرهم وإنضاجه، وحين تفتش في واقع الآباء وكذلك المعلمين، فستجدُهم في الغالب يستخدمون أسلوب الأمر والنهي فقط ، دون محاولة إعطاء الأبناء والطلاب فرصة للمناقشة والمداولة الفكريَّة التي نكتشف بها فكرَهم وطريقةَ معالجتهم للأمور، ومن ثمَّ تصويبَ تلك الأفكار عبر طرق الحوار الفكريِّ الفعَّال.
إذاً من المهم أن تقف مع ذلك الطفل الذي تعلمه وتقول له مثلاً: أيها الغلام! فكر معي: لم أنهاك عن فعل هذا الشيء؟ ولم آمُرُك بهذا الشيء؟ فهل تعرف السبب؟ دعنا نبحثه سوياً!

2) ضعف تعليمِ مهارات التفكير في مناهجنا.
فقلَّما يوجد في مدارسِ الأطفالِ والبراعم والشباب والفتيات مادةٌ تعلِّمُهُم مهاراتِ التفكيرِ وأصولَه، وطرقَ تحسينِ التفكير لديهم ، وأنواعَ التفكير، والوسيلةَ الصحيحةَ للتفكير، بل غالبُ الموادِ التي يتعلمها الطلابُ هي أشبه ما تكونُ بطرقِ التخزينِ الفكري، والتلقينِ التعليمي فحسب، دون الوصولِ إلى طرق الإبداع الفكريِّ والنموِّ المعرفي.

3) الخمولُ والكسلُ وضعفُ الهمَّة.
والسبب في ذلك أنَّ غالبَنا يأنس إلى الراحة والدَّعة، ويعلم أنَّ مثل هذه المهارات تحتاج وقتاً لتنميتها، لذلك ترى الكثيرَ يقنع بالقليل الذي لديه، ولا يحاول الاستزادةَ ولا يستنهض همَّته للمضيِّ قدماً في إصلاح عقله ورعايتِه بتحقيق المقاصد الكبرى التي خلق الإنسان لأجلها؛ لكي يعبد ربه على بصيرة ويفكر ويعمل ويرشد النفس، ولو قارن كلُّ واحد منَّا نفسه بأولئك العلماء أو المبدعين أو المخترعين؛ لأدرك أنَّه لا فرق أبداً بينه وبينهم، فالعقولُ واحدةٌ وقد يزيد بعضها عن الآخر شيئاً يسيراً، ولكنَّ الغالب أنَّها متساوية؛ فما الذي يفرِّق عقولَ هؤلاء المبدعين والعلماء والمفكرين عن عقولِنا؟!
والجوابُ : لا شيء ! سوى أنَّهم استثمروا طاقاتِهم واكتشفوا العملقةَ التي في داخلهم، واستنهضوها للعمل والرقي بها إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا من العلا والعلمِ والعز والسؤدد.
وصدق الشاعرُ القائل:

تبلَّد في الناس حسُّ الكفاح *** ومالوا لكسب وعيش رتيب
يكاد يزعزع من همتي *** سدورُ الأمين وعزم المريب


4) الخوف.
كثير من الناس الأذكياء تجد لديهم وقتاً كافياً وفرصاً رائعةً لتنمية مهاراتهم بالتفكيرِ الإيجابي، ولكنَّ كثيراً منهم يخشون من ذلك الطاغيةِ أو الظالمِ الذي لا يسمح له أن يبدع، بل يتفانى في كبت الفكر!
غيرَ أنَّ المسلم ينبغي عليه أن يعلم أنَّ هؤلاءِ ليسوا أقوى من ربِّ العباد، وأنَّ الله تعالى قال لنا:(فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين) وأنَّ هؤلاء الجبابرةَ والظلمة مآلهُم قصير، وأنَّ الحافظَ هو الله، وأنَّ مزيداً من الخوفِ لدى الأمَّة ومفكريها يعني حتماً مزيدا من الخمول والكسل وتبعيَّةِ أمَّتنا لغيرِها من الأمم، وكما قال الأستاذُ عبَّاسُ العقاد:(لا معنى للدينِ ولا للخُلُقِ إذا جاز للناس أن يخشوا ضرراً يصيبُ أجسامهم ولا يخشوا ضرراً يصيب أرواحَهم وضمائرهم وينزلُ بحياتهم الباقيةِ إلى ما دونَ الحياةِ التي ليس فيها بقاءٌ وليس فيها شرفٌ ولا مُرُوءة).
ومن أنواع الخوف الحاجزةِ لروح التفكير وتمرين العقل عليه؛ الخوفُ من نقد المجتمع وعموم الناس، وخوفُ الفشلِ والإخفاق، وكل هذا داخل في دائرةِ الخوف التي تمنع كثيراً وكثيراً من التفكير.

5) الهزيمة النفسيَّة وحالةُ التبعيَّة للغرب.
من المؤسف أن يشعر كثيرٌ من المسلمين أنَّهم أضعفُ الناسِ تفكيراً ، وأنَّ العربَ والمسلمين ليسوا أهلاً للتفكير؛ لأنَّهم مهزومون عسكرياً، حتى سرت هذه الهزيمة إلى نفوسهم وجرَّت بعضاً منهم إلى الهزيمة النفسيَّة، والقابليَّةِ للاستغرابِ والاستخراب الفكري، والنظر إلى مفكري الغرب نظرة إجلال، والزهدِ فيما لدى المسلمين من مفكرين ومبدعين.

6) قلَّةُ التطبيقِ لمشاريعَ فكريَّةٍ مما سبَّب الإحباط لدى بعضِهم.
فقد قام جمعٌ كثيرٌ من المفكِّرين بالعمل على جمع طرقِ التفكيرِ لمشاريعَ وبرامجَ وخططٍ عملية لكي تتبلورَ فكرتها إلى حدث قائم، وما إن يُنتهى منها حتَّى تفترَ الهممُ، أو تضعفَ العزائمُ، أو يكونَ العائقُ في ذلك ضَعْفَ الروافدِ المالية، أو لا تتاحُ فرصٌ للقيام بها لخدمة الأمة أو الشعوب والمؤسسات، إلى غير ذلك من الأسباب أو العلل الخفية أو الظاهرة.
ولهذا كان بعضُ المفكرين يقولون، ومنهم المفكر الجزائري مالكُ بن نبي ـ رحمه الله ـ:(من المهم جداً أن ننتجَ الأفكار، ولكنَّ الأهمَّ من ذلك أن نقوم بتوجيهها وتطبيقها في الواقع) وحقَّاً إنَّها كلمةٌ عميقةٌ تحتاج إلى تأمُّلٍ في فحواها ومحتواها ! فكما أنَّ من المهم أن نفكر، فإنَّ الأهمَّ منه بل هو غاية مرادنا من خلال التفكير؛ القيام بتطبيق ما فكَّرنا فيه وتحريكه في دوائر العمل، وإلاَّ فستكون أفكارنا عديمة الفائدة في حياتنا، ولا نستفيد منها في واقعنا العملي شيئاً سوى الترف الفكري.

7) التقليدُ وتأجيرُ العقولِ للآخرين.
كثير من مجتمعاتنا لا تشجع ـ وللأسف ـ على تنمية التفكير بشتَّى أنواعه، بل تجد أنَّ هناك إشكاليَّةً كبيرةً تعترض طريق المبدعين والعقلاء، بالتخذيل من الهمم، أو بأن يقول قائل:(ليس بالإمكان أحسنُ ممَّا كان) أو:(ما ترك الأولون للآخرين شيئا) أو:(الناسُ كلَّها لا تفهم إلاَّ أنت الذي تريد أن تكون المفكر والمبدع) وغيرُ هذه من الكلمات المثبطة والمحبطة.
بل وصل الحال ببعض المشايخ والمنتسبين للعلم أن يربُّوا طلاَّبهم على روح التقليد والتبعيَّة، وعلى انعدام الحوار الفكري وتنمية ملكات الاجتهاد وآليات الاستنباط لديهم، ممَّا جعل كثيراً من الطلاَّب مردِّدين لما يقوله مشايخُهم أو معلِّموهم دون التفكير بحقيقة قولهم،ولهذا تجد غالبَ المتعصِّبين لرموزهم ومشايخهم قد أصيبوا بداءِ ( ممنوعيَّة التفكير)، والحجر الفكري على العقول، بل صاروا كما كان رجالُ الدين النصارى يقولون لطلاَّبهم كما جاء في دائرة معارف القرن التاسع عشر:(أطفئ مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى).

8) قلةُ الحوافز وانعدام التشجيع على مستوى الأمة.
وسأذكر مثالاً يجلِّي هذه الحقيقة؛ فقد دخل عاملٌ على مسؤوله ليعرض له فكرة رائعة قائلاً له:( لو سمحت؛ لدي فكرةٌ مهمة، لن آخذ من وقتك أكثرَ من دقيقة، وحين كان العامل يعرض الفكرة كان المسؤول لا يعيره اهتماماً ، فقد كان يقلب الأوراق الخاصة به يقرؤُها، وحين رأى العامل هذا المنظر تضايق من رد فعل المسؤول وخرج ساخطاً وهو يقول:(لن أقدم فكرة أخرى).
في هذا الموقف تتجلَّى عدَّة إشكاليات، ومنها : عدمُ الاهتمام بأفكار الآخرين، وعدم تشجيعهم على مواصلة الحديث عنها، وانعدام التحفيز الذي يدفع المرء إلى عمل شيء ما، وخصوصاً أنَّ الإنسان مركَّب من الشعور والأحاسيس والعاطفة، فليس هو آلة تعمل دون مؤثراتٍ نفسية.

9) ضحالة المعرفة وقلَّة القراءة والمخالطة.
وهذا سبب مهم؛ ذلك أنَّ ضعف البنية الفكرية والمنظور الثقافي للشخص، ستنعكس آثاره البنيوية على التشكيلة والخارطة الذهنية التي تفتقر إلى التوسع؛ لضعف أدوات التفكير، وقلَّة المعلومات المخزَّنة في الذاكرة، والتي تكون سبباً بضيق الأفق في الفكر!

10) عدم تحديدِ وقت للتفكير والتأمُّل.
فهناك بعض الناس، وحتَّى من النخب العلمية والمثقفة، لا تجعل لنفسها وقتاً تتأمَّل فيه وتتفكَّر فيما قرأته، وهل الذي طالعته صحيح أم لا، ثمَّ هل يمكنُ أن تقدِّم عليها مزيداً؟
نعم ! لا نريد أن نكون حمقى متنطعين مثل:(ديمو كريتس) الذي فقأ عينيه حتَّى يتوقفَ عن القراءة؛ لكي يستطيع التفكير!
وليس القصد من ذلك الاحتفاءُ بمثل هذا العملِ المبالغ فيه، إلاَّ أنَّنا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نمرِّن (عضلاتِ) مخنا بالتفكير القويم السديد الإيجابي الفعَّال، لا أن نقتصر على القراءة فحسب، ولهذا يقول يقول بيرك:(القراءةُ بلا تفكير كالأكل بلا هضم).
هذه عشرةُ أسباب كاملة نستطيع من خلالها أن نرصد الأسباب التي تجرُّ إلى إقفال آلية التفكير الإيجابي لدى المسلمين؛ فمن المهم أن نعرض أسباب المشكلة قبل عرض خطوات العلاج، وفي الأغلب فإنَّ عرض المشكلة أطولَ بكثير من وصفة العلاج لها!