هنيئا لك
ها هو العام سينتهي ...وتنقضي أيامه ..وتزول ساعاته ..فهنيئاً لك ما أودعت فيه من صلوات ..وهنيئا لك ما وصلت فيه من أرحام ..وهنيئا لك ما قدمت فيه من نفقات وصدقات ..ما أجمل تلك الدمعات التي تساقطت منك في رمضان ..وأنت تصلى التراويح ..وقد اهتز جسدك ..وخشع قلبك ..ما أحلى تلك الدعوات التي نطقت بها ..عندما رأيت ما يعانيه إخوانك المستضعفون..فرفعت يديك ..وتضرعت لربك ..تدعو لهم بالنصر والتمكين ..وأن يجعل العاقبة للمتقين ..ما أحسن صنيعك عندما تقدمت إلى إحدى المؤسسات الخيرية واستقطعت جزءا من راتبك يصرف للمشاريع الخيرية .. لقد كان هم الإسلام في قلبك ..فترجمته إلى واقع عملي في حياتك ..لقد كنت تخرج إلى متجر لتشتري أغراضك الشخصية ..فترى مجلات هابطة أو دخان أو نحو ذلك فتأبى عليك غيرتك إلا أن تهدي للبائع كلمة نصح وإرشاد ..وأثناء رجوعك تسمع صوت الأغاني تصدح في سيارة شاب فتهدي له شريطاً كان معك في السيارة ..أما جيرانك ..فقد أحسنت إليهم ..لقد كنت تهدي إليهم لتتألف قلوبهم ..وتراسل المقصرين منهم عبر رسائل جميلة ..تحدثهم فيها عن الصلاة ..وتذكرهم بها..وترسل الدعوات لهم بالهداية ..وكنت إذا شاهدت أولاد الجيران يعبثون بادرت بتذكيرهم وتوجيههم ..لقد كنت حريصا كل الحرص أن تكون فاعلاً في الحي الذي تسكن فيه فهنيئا لك هذا الخير العظيم ..فيا لله ..ما أجمل ذاك العام الذي قضيته بهذه الأعمال ..أما يسرك أن تلق الله تعالى بهذه الصفحة البيضاء ؟ أما يبهجك أن تفارق هذه الحياة بهذه الأعمال الجليلة ؟!!
إذن ..استمر على الخير الذي أنت فيه ..وقل :
أيها العام تمهل ....علني للخير أفعــل
علني أنجو بنفسي ...يوم فيه الناس تسأل
بل حاول أن تزيد ..ولتضع نصب عينك ما كان يذكر عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه ما رئي في يوم إلا هو خير من أمسه وهكذا المؤمن ..في تدرج في سلم المكارم ..بل كان السلف رحمهم الله يعدون الذي يكون يومه كأمسه أنه في نقصان ..قال أبو سليمان رحمه الله : من كان يومه مثل أمس فهو في نقصان !!
وإن لم تكن كذلك ..فالعام الجديد ..يفتح لك صفحة بيضاء ..يدعوك فيها..لتسطر مآثر خالدة ..وفضائل عالية..تبدأها بدمعات صادقة ..تسكبها من عين خاشعة ..ونفس منطرحة ..بين يدي الله تعالى ..{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } واعلم يا رعاك الله ..أن الله تعالى يفرح بتوبتك وعودتك إليه ..ويدعوك إليها ..يقول الله تعالى :{ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } ..
إني أرجوك يا أُخي أن تستجيب لنداء الرحيم الرحمن ..وتعلنها من الآن توبة مما سلف وكان ..من الذنوب والعصيان ..وقل يا رب ..اقبل توبتي ..واغفر زلتي ..وتجاوز عن خطيئتي ..يا رب :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
وقبل أن أختم كلامي أنبه إلى بعض التنبيهات :
ـ قد يحصل من بعض الناس أن بعضهم يهنأ بعضهم ببداية العام الجديد وهذا ليس من السنة في شيء .
ـ قد يحث الناس بعضهم لبعض بصيام آخر يوم وهذه من البدع .
ـ محاسبة النفس لا تكون فقط في نهاية السنة بل الإنسان بحاسبه نفسه على الدوام.وصلى الله اللهم يا حي يا قيوم ..أسألك باسمك الأعظم ..أن توفق قارئ هذه الرسالة لتوبة نصوح ..اللهم وفقه لتوبة صادقة ..عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
د. محمد بن عبدالله الهبدان