عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2007-12-02, 1:34 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
وداد وانتماء

وإنما يساعد على التعرف: الإنصاف فإنك مجاهد والمجاهد حر رفض الذل. وللحر سمات وطباع، ذاك السير إلى العز أولها، وليس بأكملها، وكما أن الحر به يعرف.

وذلك الذي أشار إليه الإمام الشافعي حين يقول: (الحر من راعي وداد لحظة، أو انتمي لمن أفاده لفظه).



وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرًا: راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.

ولا ينتصب أحد لفتنة من بعد ستر، ولا يكسل كسلان فينقطع ويترك ويستبدل أصحاب بأصحاب، إلا لنقص معنى الحرية فيه، وإلا لتقمصه بعض أثواب عبودية الدنيا.

وما ثبت داعية على الطريق، وازداد بذلا وإيثارًا، إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد، وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء.



وإنه معدن الأخلاق والعفة نحرص عليه قبل أن يكون شرط علم وكفاية إدارة، وكانت الطاعة من قبل في جمهرة الدعاة تتحرى عفة القائد قبل أن تسأل عن خبرته في السياسية، فقال الشاعر:

سكن الدعاة إلى أمير سلامة ** عف الضمير مهذب الأخلاق

أعطته صفقتها الضمائر طاعة ** قبل الأكف بأوكد الميثاق

وكلاً نريد، خلقاً وخبرة، ولكن ميزان الدعاة في أحكام التفاضل يقدم ويؤخر بعيدًا عن أعراف السياسة، يعلمون أن الخلق تقوى، وأن التقوى باب الوعي، بوجودها يتعلم الساذج، ويلهم الصواب إلهامًا.

ثم أنه تأديب شامل يجبر الحر على دوام الانتماء إلى الدعاة الذين ربوه، وما هي لفظة عابرة.

فإن دعاة غذوك الفكر** بهم هدي الشرق والمغرب

وفي أدب منهم نشأت ** ونعم لعمرك ما أدبوا



وقد حفزك القرآن إلى أن تقيس توقير المؤدب المربي على توقير المسلم للرسول -صلى الله عليه وسلم- لما قال الله تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}.

(فلابد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلابد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعاً هيناً ليناً، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير.

وللرسول - صلى الله عليه وسلم- المثل الأكمل، ولكنها الموعظة تستلزم القياس.

ولا تقولن: فلان من أترابي، أو: هو متأخر عني، لم يربني، فربما أسدى لك نصيحة يوماً عصمتك، ورب ناشئ لم يعرف الدعوة إلا هذا اليوم، ترى من حماسته ما يعديك، ويستفزك للخير، وكل ذلك تربية، يطلب منك لمثلها الوداد.



الإمارة الناصحة سباقة

ولا شك أنه واجب مزدوج وحرص ينبغي أن يصدر عن كلا الطرفين: قيادة تسبق، وداعية يطيع.

فالقيادة يجب أن تكون سابقة لمجموع الدعاة في طرحها للاجتهاد الذي يقتضيه تطور الأوضاع، وفي تنسيقها لدروس التجربة، فإن من لم تسعفه بفقه واضح سيدور دوماً مع الخطأ، ويراوح في مكان محصور، وليس لك من سبيل لوم، وإلا أرهقته من أمره عسرًا.

والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقاً لتطور كفاياتهم، ونمو آمالهم، وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك.

وكل ذلك من كما معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة).

أنها طاقة هائلة تتمثل في كل جيل من الدعاة، إما أن يجاد استخدامها، وإلا ضغطت وهدمت، بطغيان وفتن وتهورات.

هو السيل إن واجهته انقدت طوعه ** وتقتاده من جانبيه فيتبع



فأمر الطاقة المعطلة المحبوسة كالفيضان والسيل تمامًا، يكون خيراً لمن عرف شق الجداول للاستفادة منه، وضررًا لمن أهمل، فكل جيل سيل، بيدنا أن نجعله مفيدًا أو نتركه يضر.



التحريش الغامض

وكأن هذا هو السر الكامن فيما قرره القرآن الكريم من تفرق المسلمين وجعل بأسهم بينهم إذا تركوا الجهاد، فإن في الجهاد تصريفا للطاقة في دروب الخير، تتحول لتستهلك نفسها إذا حصرت، وفي قوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}: إيماء جلي إلى هذا المعني.



قال ابن تيمية في تفسيرها: (قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض).

وقديما قال أهل المثل: (العسكر الذي تسوده البطالة يجيد المشاغبات).

فإنما يكون تحريش الشيطان في مجالات الركود، ولئن أنجى الله المصلين من عبادة الشيطان، فإنه سبحانه قد ترك له مجالاً للتحريش، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم).

لا يقول لهم: هذا تحريش، وأنا شيطان، وإنما يلبس لباس الزاهد العابد، ويتكلم بفصاحة الناصح الأمين، حتى إذا خدع وأوهم، وفرق وأبهم، ولي مقهقها وهم يبكون.

هكذا دائمًا أسلوب الشيطان: (يعرض الشر في معرض الخير، والتمييز في ذلك غامض، وأكثر العباد به يهلكون).



لا خير في طاعة هاوية

وإنما يعصى الشيطان بمبادرة من الداعية يجدد فيها عزمه على الطاعة، فإنه هو المسؤول عن هذه المبادرة، وإليه يتوجه الخطاب، وإن ظن أن في الطاعة تفويتا لصواب يعتقده، فإنما يبني كيان الجماعات والجيوش والدول على هذا التنازل من الأكثرية لقلة ترسم الطريق وتقود.

ومن أحدث ما قرأنا عن شروط انتصار الجيوش كلام القائد الإنكليزي مونتغمري، المنتصر في العلمين على رومل، حين يقول في مذكراته: (إنني أدخلت عنصراً مهماً في نظام العمل، وهو أن أوامر القيادة يجب أن لا تناقش من قبل الضباط الصغار، كما لاحظت عادة في كثير من الحالات، لأنه متى كثرت الخطط لابد أن يفشل الجنود، لكونهم غير واثقين من صوابية خطة واحدة).

فكثرة الإدلاء بالآراء تسبب الخلاف، فالجدال، فتضييع الوقت، فاختلاف القلوب، ففقدان الحماسة، فالوهن والتراجع.

عندئذ تكون الطاعة محكومة بالهوى، يطيع المطيعون فيما وافق مذاهبهم وكان الأمر عليهم خفيفاً، ويعصون إن خولفوا وكان الأمر عليهم ثقيلاً.

يسارعون إلى الطاعة فيما يحبون، ويبطئون فيما يكرهون. فإن امتحنوا بأمر يكرهونه وفيه صلاح الجماعة عذروا وولوا، أو أطاعوا كارهين، وامتثلوا ساخطين.

وإنما أداء الواجب أن تؤديه في المنشط والمكره، وتصدع به فيما تحب وتبغض، وأن تتلقاه عزيمة لا رخصة فيها، وحزماً لا تردد فيه، وجدًا لا هوادة لديه، حتى لا يكون للرأي فيه تردد، ولا للهوى فيه خيار. وهو الواجب تلقاه راضياً، وتمضي به مقدمًا، و تحتمله صابرًا، وهو حلو عندك، وإن كان مراً، ونافع، وإن بك أضر.

هكذا تمضى الجماعات والآحاد بواجباتها، غير معتذرة فيها، حتى يكون أداء الواجب ديدناً لا مفر منه، وعزماً لا محيص عنه.

ذلكم قياس الصدق في الآحاد، وميزان الإخلاص في الجماعات.

وإنما تلك الطاعة الهاوية بقية من خلق بني إسرائيل يربأ المؤمن بنفسه عنها، فإنهم طلبوا القتال في سبيل الله، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}.

(سمة خاصة من سمات بني إسرائيل في نقض العهد، والنكث بالوعد، والتفلت من الطاعة، والنكوص عن التكليف، وتفرق الكلمة، والتولي عن الحق البين.

ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية، فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد، العميقة التأثير. وهي –من ثم- سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر، كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر، فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل.




عبد الله الخطيب


المصدر: هذه الوردة الحمراء-محمد أحمد الراشد.