عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2007-11-14, 8:16 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
هـ ـ جمع المعلومات بوعي وبصيرة :
بعد وضع المخطط الشمولي للبحث ، يبدأ بالقراءة الهادفة ، وجمع المعلومات التي تنضوي تحت بحثه ، وتتعلق بدراسته من قريب أو بعيد ، ويجب عليه أن :
1. يعرف قيمة كل كتاب على خير وجه .
2. توجهات كل مؤلف ؛ ليتأتى الاستفادة منه .
3. يعرف مواطن القوة والضعف فيه ، ليعتمد هذا ويتجنب ذاك .
4. معرفة ما زاده غيره ، أو تفرد به ، وأصالته أو عدم أصالته في ميدانه ، فإن لم يكن في الكتاب ما ذكرنا فلا يضيع الباحث الوقت فيه ؛ كما قال ابن العربي .
5. أن يجمع المادة بيقظة وحذر ووعي ، فيكتب كل ما يمكنه أن يستفيد منه في البحث ، كما قال المحدِّثون ( إذا كتبت فقمِّش ، وإذا حدَّثت ففتِّش ) ، وللجمع طرق أهمها :
ضم المعلومات في بطاقات صغيرة ، ويضع لها عناوين كبرى عامة ، ثم عناوين صغرى ، أو أن يكتب على أوراق كبيرة يضمها تبعاً الأبواب والفصول ؛ كلٌّ حسب فهمه وإدراكه واستعداده.

و ـ إحكام النظر في المادة العلمية ، و صياغتها ، وترتيبها :
بعد جمع المادة ، وتوثيق ما جمعه ، لا بد له من طول النظر فيه وتجوال الفكر على صفحاته ، وتقليب الرأي في جنباته ، ويدون مع كل فكرة ما يستنبطه ، وغلى جانب كل قول ما يستفيده .
ثم يبدأ بصوغ مادته المتوفرة ، ويبينها بالكيفية التي تحلو له .
ويتوجب عليه أن يراعي عرض الفكرة الواردة ، حسب الأقدم فالقدم ، ممن تعرض لها أو طرحها، من نشأتها إلى نموها واتساعها ، إلى بلوغها غايتها وإحكامها ، على ما اعتراها من معارضة أو مناقضة، أو تأييد أو موافقة ، وما لحق بها من تفسير وتعليل ، وبيان وتفصيل ، مقدما في ذلك أصل المسألة من آي القرآن ، وصحيح السنة النبوية ، قال الإمام النووي : ( فلهذا لا أترك قولا ، ولا وجها ، و نقلا ، ولو
كان ضعيفا أ و واهيا ؛ إلا ذكرته إذا وجدته إن شاء الله تعالى ، مع بيان رجحان ما كان راجحا ، وتضعيف ما كان ضعيفا.. . )
ويجب عند نقل فكرة عن مصنف أن يستوعبها كلها ، ويدرك قائلها من ناقلها ، وصاحبها من منتحلها .
ويعرض لتفسير الآية والحديث من مصادرها المعتمدة ، حسب الأقوى فالأقوى ، أو حسب ما يراه موصلا للهدف . وفائدة طريقة تقديم الأقدم والأقوى :
تبيين مدى تطور الأفكار ، أقدار أهل العلم ومراتبهم منه ، إدراك أثر الزمان والمكان ، بيان موضع الخلل والنقص في الفكرة ؛ ومَن تممّها أو عدَّلها أو أصلحها ، إظهار قيمة عمله هو ، وأهمية تصنيفه ومدى الحاجة إليه .

ز ـ الأمانة في نقل الأفكار وعزوها :
وذلك بنسبة الأقوال والأفكار إلى أصحابها ، دون أدنى غضاضة من صغير وكبير ، من مسلم أو كافر من برٍّ أو فاجر ، من متقدم أو متأخر .
ولقد ضرب علماء المسلمين الأقدمون المثل الأعلى في الأمانة العلمية ؛ لأن القرآن الكريم أرسى ذلك، فقد ذكر القرآن عقائد الملل الضالة كما هي ـ بما فيها ـ وردَّ عليها وفندها .
وانظر إلى كتب الأشعري و الباقلاني والفخر الرازي ، والغزالي وابن تيمية وابن القيم ، الشــافعي و الطحاوي والبغدادي ، وغيرهم ، لتجد هذه النماذج القمم في الصدق والأمانة ، واستيعاب الفكرة ولو كانت ضالة ؛ لبيان وجه الضلال فيها ، وما ذاك إلا ليرفعوا الحرج عن الأمة في الحوار والمناظرة، وليوفُّوا قبل ذلك الأمانة حقها .
ويجب علينا أن تكون على حذر شديد من المعاصرين ممن يعبث بالنصوص نقلا وبتراً ، وحذفا لما لا يعجبه ، أو يتعارض مع أهوائه وتوجيهاته أو يأتي على حججه ودعاواه بالهدم والسقوط بذلك في بعض كتب التراث التي يخرجونها .
وقد وجدنا بعضهم يقحم رأيه الفاسد ، وفكره الخاسر الكاسد ، في نصوص لها قيمة ووزن ، دون تمييز أو إشارة على أنه من المحقق أو الناشر أو الطابع ،ادعاءً منه للفهم ، والاجتهاد العلمي العظيم ؟!
قال الإمام السبكي : ( وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا على أن كَتَبَ شرح صحيح مسلم للشيخ محيي الدين النووي ، وحذَفَ من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات ـ فإن النووي
أشعري العقيدة ـ فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفُه . وهذا عندي من كبائر الذنوب ن فإنه تحريفه للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس، وما في أيديهم من المصنفات ، فقبح الله فاعله وأخزاه ، وقد كان في غنية عن كتابة هذا الشرح ، وكان الشرح في غنية عنه) .
ولا بد من التأكيد على أن نقل قول السابق إن أخذه بلفظه تعين العزو لصاحبه ، وكذا إن أخذه بالمعنى المحاذي للفظ من غير زيادة عليه ، بالإشارة لوجه النقل ؛ وإلا كان الناقل مدلِّساً .

ح ـ الفهم الصحيح للنصوص ، وتحديد مدلولاتها :
وذلك بالالتزام بضوابط الفهم الصحيح للنصوص ، وتحديد مدلولاته على هدي هذه الضوابط ، وهي القضية التي نسميها اليوم الموضوعية و النزاهة والإخلاص في فهم مراد كلام الله تعالى وفهم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن الفهم الحق لمراد الشارع ، إضافة إلى كونه واجبا دينيا ، فإن نتيجته هي صمام الأمان للحياة الإنسانية ، وسر السعادة البشرية .
وأيضا من الموضوعية والنزاهة الاجتهاد المباشر وأخذ الأحكام من نصوص القرآن والسنة مباشرة ؛ بما لا يَلفت معه الزمام ، ويتحلى كل مأفون بحلية الإمام ، مع الحذر الشديد من جعل النص تابعاً لرأيه وهواه ، ورغباته وأفكاره ، بجعله الأصل وجعل النص هو الفرع .
ويلزمه بعدها عدم التعجل في إصدار الأحكام ؛ قبل تمام النظر فيما هو بصدده ، وتجنب التهور.

ط ـ الرجوع في كل علم إلى أهله :
فأهل كل علم مقدمون على غيرهم فيه ، بل لا يلتفت فيه إلى سواهم ؛ لأن أهل كل علم هم الذين جمعوا مسائله وضبطوا أصوله ، وألفوا كتبه وذلَّلوا صعابه .
لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن البسملة قال : ( سلوا عن كل علم أهله ، وإمام الناس في القراءة نافع ) ، وقال جار الله : ( .. أن على كل آخذ علماً أن لا يأخذه إلا مِن أقتل أهله علما ، وأنحرهم دراية ، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النحارير أنامله ).
وإن ما ينبغي التنبه له مسألة النقل في المذاهب الفقهية والعقدية ، والأديان والفرق والمذاهب السـياسية ، فيجب أن يرجع فيه إلى مصنفاتهم الصادرة عن أهله ، حتى لا يقع البـــاحث في الخطأ
ويرجم بالظنون ، وكثير من الكاتبين عن الإسلام تركوا مصادر العلوم المتقنة ، وتصيدوا الأقوال هنا وهناك ، بقيل ويقال ، ويحكى ويروى ، دون تثبت وتأكد .
ي ـ النقد النزيه المتزن :
إن الباحث الراسخ لا يقف حيال الأفكار والنصوص مكتوف الأيدي ، جامد النظر عديم التدبر ، بل له حق النقد والتقويم لكل نص ـ سوى الكتاب والسنة ـ ، فلا يمر عليه نص في إطار بحثه و يرى فيه ما يستحق التقويم أو بيان الخطأ ، إلا وقوَّم وأصلح بما يراه حقا ، وإن لم يفهم النص أشار إلى ذلك ؛ لئلا يُنسب إليه الرضا به .
وطريق النقد كما قال ابن الهيثم (.. أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه ، ويجيل فكـره في متـنه ، وجميع حواشيه ، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه ، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه ) لتنكشف له الحقائق حينئذ بجلاء .