عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2007-11-14, 8:15 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي كيفية كتابة بحث في الدراسات الإسلامية




بسم الله الرحمن الرحيم *


1. توسع الدراسات الإسلامية في الزمان والمكان والموضوع :
الدراسات الإسلامية واسعة الميدان ؛ من حيث :
الزمان ، على امتداد أربعة عشر قرناً بما ضمَّته من ليالٍ وأيام وشهور وأعوام .
وأما المكان ، فقد شارك في الدراسات الإسلامية عقول ونوابغ من جميع الأرجاء وكل الأنحاء ؛ من الصين شرقا إلى الأطلسي غرباً ، ومن سيبيريا شمالا إلى نهايات إفريقيا جنوباً ، والبقاع التي لم تشارك في الدراسات الإسلامية فيما مضى ، وفاتها ركب الأمس ؛ تتدارك القافلة اليوم ، وسواء أكانت الكتابات صحيحة قويمة أم سقيمة لئيمة ، لا يهم ذلك ، إلا أنها دراسات إسلامية .
وأما الموضوع ، فقد تفتقت في رحاب هذا الدين علوم كثيرة جدا ، ولا زالت في نماء واطراد ، وكلها تستند إليه ، وعلى سبيل المثال قد أحصى حاجي خليفة في كتابه ( كشف الظنون ) 300 فن وعلم .

فإذا أخذا علوم القرآن الكريم المتعلقة بالنص العزيز كمثال ، وجدنا أنها تبلغ ثمانين علما ، وعلم التفسير واحدا منها ، بما ضمه أيضا من أنواع عشرة ، كما ذكره الإمام السيوطي في ( الإتقان ) .
وكذلك علوم السنة التي بلغت أزيد من 90 علما ً ، كل هذا دليل على السعة زمانا ومكاناً وموضوعـاً .

2. مقاصد التأليف ، وغايته :
أي أن البحث ينبغي أن يكون له غاية يرومها وهدف يصبو إليه ، وهي مجموعة في رؤوس سبعة ذكرها الإمام ابن خلدون في المقدمة :
أ‌- استنباط العلم بموضوعه ، وتقويم أبوابه وفصوله ، واستنباط مسائل تعرض للعالم يحرص على إيصالها لغيره ؛ ومثاله كتاب ( الرسالة ) في أصول الفقه للإمام الشافعي .
ب‌- أن يقف على تواليف الأولين ، فيجدها مستغلقة ، في حاجة للكشف والإبانة .
ت‌- العثور على غلط أو خطأ في كلام المتقدم ـ ممن اشتهر فضله ـ فيودعه الكتاب مع الاستيثاق بالبرهان ؛ ليقف الناظر على ذلك ؛ إذ تعذر المحو .
ث‌- نقصان مسائل أو فصول في فن ، فيقصد المطلَّع عليه إكمال ما نقص ؛ إتماماً للفن .
ج‌- وقوع مسائل العلم غير مرتبة في أبوابها ، فيقصد المطلع ترتيبها وتهذيبها ، كما وقع في ( المدونة ) من رواية سحنون عن ابن القاسم ، فهذبها ابن أبي زيد القيرواني ؛ بنسبتها لأبوابها.
ح‌- أن تكون مسائل العلم مفرقة من أبوابها في علوم أخرى ، فيتنبه بعض الأذكياء إلى موضوع ذلك الفن ، فيفعل ذلك ، ويظهر به فنٌّ ينظِمُه من جملة العلوم التي ينتحلها البشر ، مثل كتاب ( البيان والتبيين ) للجاحظ الذي جمع فيه كثيرا من كتابٍ مجموع للمسائل نحوية .
خ‌- أن يكون مؤلفاً من أمهات الفنون طويلاً ، فيقصد المطلَّع إلى تلخيصه واختصاره ، أو حذف المكرر منه .
وما سوى هذه الأغراض ففعل غير محتاج إليه، قال أرسطو : ( وما سوى ذلك ففضلٌ أو شَرَه ) ؛ بعد أن عدَّد مقاصد التأليف .
فيجب على الباحث يضع نصب عينيه الغية والهدف من كتابته ، و يطرح على نفسه سؤالا مهمَّاً وهو : ماذا سأستفيد من عملي هذا في ديني ودنياي ؟ وماذا سأفيد القرَّاء بعد خروجه إليهم ؟ .

3. خطوات البحث مضموناً وشكلاً :
أولا : المضمون :
أ‌- الأهلية والاستعداد للبحث :
فالاستعداد والأهلية قائمة على الرغبة والميل لذات البحث ، وهو أساس لا بد منه ، والباحث في علوم الشريعة ؛ يجب عليه أمران :
الأمر الأول : أن يكون على معرفة بأصولها ومفاهيمها الأساسية ـ الكتاب والسنة ـ وذلك في الحد الأدنى من علومهما ، فمن حُرم ذلك أو فاته فلا يتعنَّ ، والأولى له أن يسدَّ على نفسه أبواب القدح والتجريح ،وبمقدار رسوخه فيهما ؛ يكون قد اقترب من الحق والصواب .
وقد ذكر المجربون من العلماء معالم هداية للوصول للمعرفة الصحيحة ، بقولهم :
( فطالب العلم في بدايته شرطه الاستماع والقبول ، ثم التصور والتفهم ، ثم التعليل والاستدلال ، ثم العمل والنشر ) فمتى قد رتبة عن محلِّها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها .
الأمر الثاني : أن يكون قد رسخ في العلم الذي هو بصدده ، فمن لم يكن متمكنا فيه فماذا سيبدع ؟ أو أي شيء سيستدرك ، وماذا يفهم ليشرح ؟ ..
وإن من تمام الرسوخ في علم ما :
1. معرفة المصطلحات الخاصة به ، ودلالاتها بدقة .
2. التفريق بينها عند تداخلها بمصطلحات علم لآخر .
3. حسن استعمالها فيه : تعبيراً وتحبيراً .

قال الشاطبي في ( الموافقات ) : .. الطريق الثاني مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين ، وهو نافع في بابه بشرطين :
1) أن يحصل به فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ، ومعرفة اصطلاحات أهله ، ما يتم به النظر في الكتب .
2) أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ، فإنهم أقعد من غيرهم من المتأخرين .
كما أنه ليس من العلم أن ينقل مصطلحات العلوم الأخرى التي يتشابه لفظها مع مصطلحات هذا العلم ، ويكثر من تعريفها والإشارة إليها .

ب ـ معرفة ميدان البحث ، والتمكن منه :
يجب على الباحث في ميدان أن يُلمَّ بأبعاد ميدانه الذي يخوضه معرفة تامة ، قبل أن يشرع ، وذلك من خلال :
1) الاطلاع على أحوال ذلك العلم ، وأمهات كتبه ، التي شهد لها أهل الاختصاص بالقبول .
2) أن يتناول كتابا جامعاً منها ، فيدرسه بإتقان .
3) ثم يطلع على ما كتبه المعاصرون من أبحاث ورسائل حوله .
4) كثرة التفتيش والمطالعة ، والتحقيق والمراجعة .
5) النظر في كلام مختلف الأئمة ؛ ليعرف المتفق والمختلف ، والواضح والمشكل .
فهذا يجعله من أهل الاختصاص بحق وصدق .
والتمكن هو المَلَـكة ، فمن لم تكن عنده ملكة في تخصصه ، وحذق في مسائل ذلك التخصص على العموم ، فلن يكون في التصنيف والتأليف قادراً على التصرف ، أو تقديم جديد .

ج ـ البحث العلمي ، وفائدته الإنسانية :
يلزم الباحث أن يلاحظ الفائدة التي سيسديها للناس حوله ، وهل سيقدم حلاًّ لمشكلة متوقعة أو قائمة، عامة أو خاصة ، وإلا فلن يكون لعمله أثر ولا فائدة ، بل مضيعة للوقت .
وإننا نسمع اليوم عن أناس يحاضرون عن السبحة ، والقميص ، ولون أصحاب الكهف ، ويبحث عن الإماء والعبيد ؛ وهذا غباء لا مثيل له . ومن هذا المنطلق كان سلفنا عندما يُسألون عن حكم ، يستفسرون : هل هذا كائن ؟ فإن أكّدوا ذلك أجابوا لهم عنه وإلا فلا ؟ .
كما أن هناك مباحث لا صلة لها بالواقع ؛ لأنها مباحث ميتة لن تتحرك أبدا ، إما لأنها في غير زمانها ومكانها ، أو أنها قد قُتلت بحثاً وانتهى الناس منها .

د ـ تقسيم البحث وإحكام خُطته :
بعد هذا ، يبدأ الباحث بوضع تصور شمولي عن بحثه ، فيقسمه إلى أبواب بحب كبره ، وفي الباب الواحد فصول ، وفي الفصل الواحد مباحث ، أو فقرات ؛ بهذا يقدم القضية المطروحة وحلها ، من جميع جوانبها بما لها وعليها .
ويجب أن يراعي في ذلك :
1) تمهيد القضية الداعية إلى إيجاد هذا البحث ، في المقدمة .
2) أهمية الوقوف عليها، ومسوغات ذلك .
3) ثم يقسِّم موضوعه إلى أجزاء سميناها أبوابا وفصولا .
ومن وسائل اكتساب المعارف الحسية ؛ التقسيم والجمع : أي التقسيم الكلي إلى جزئياته و إلى أصنافه ، وجمع الجزئيات المتفرقة في كلياتها ؛ المسماة السبر والتقسيم ؛ وما التقسيم للبحث ألا لتحقيق هذه الغاية المبنية من درس الجزئيات ، ووضعها تحت الكليات .
4) لا بد أن يكون الباب الأخير متناولاً قمة الفكرة وتمام الرأي ، ويكوِّن بذلك ثمرة كاملة لما تقدمه من أبواب وفصول ؛ لأنه خلاصة حَلهِّا ونهايةُ القول فيها .
5) الخاتمة ؛ تأتي لتبين لنا ـ بإيجاز وتركيز ـ القول الفصل والرأي المَرضِي .

ومن أهم أسباب الاهتمام بكتب الإمام الشافعي رحمه الله كما قال البيهقي :
1. حسن التنظيم والترتيب .
2. ذكر الحجج في المسائل مع مراعاة الأصول .
3. تحري الإيجاز والاختصار .