عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 4  ]
قديم 2007-10-20, 2:37 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
شتان بين مشرق ومغرب
فأنت تأمرني بأمر والدتي تنهاني عنه..
وأنت تحثني على عمل والدتي تحذرني منه..
وأنت ترغبني في شأن والدتي تتوعدني عليه..
وأصبحت أعيش بين مشرق ومغرب، فرضاك مقرون بسخطها ورضاها ملزوم بسخطك.
فمن أرضي منكما؟ ومن أسخط؟
ولماذا أخسر الأول لأكسب الآخر؟!
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (29) سورة الزمر
أرجوك- يا أبتي- لا تجعلني نهباً للصراع، ووقوداً للنزاع.
أرجوك يا أبتي لا تتركني أسيراً للتناقضات ورهيناً للخلافات.
كن مع الحق، وتمسك به بصدق، وأصلحه برفق.
وتراجع في الخطى عن الخطأ، وأحسن مداراة الأمور مع والدتي، ووحد وجهات النظر ومسار التوجيه.
طفل الأمس رجل اليوم
يا أبتي: لقد امتطيت ظهر الزمن، وعبرت ميدان الحياة.. فما عدت ذاك الذي يتدهده في مشيته ويتعثر في خطوته..
إني مضيت في مضمار العمر ربيعاً بعد ربيع.. ألتهم
لأيام وأبتلع السنين..
كان يكبر جسمي فينمو معه عقلي وفكري ومكتسباتي.. وكان يمتلىء بدني فتربو معه مداركي وقدراتي..
وأصبحت- يا أبتي- أحس بدم الرجولة يسري في عروقي، ويمضي في أوردتي.. وأنت- ويا للأسف- مازلت تنظر لي كطفل خداج لا يحسن إلا أن يكون كلاً على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير..
لا تحقرن صغيرأ في تقلبه

إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
يا أبتي: كنت أرتضيك أباً رحيماً واليوم أتمناك أباً شفيقاً وأنيساً صديقاً وأخاً رفيقاً.
فمتى تجالسني فأسكب في سمعك كل ما يؤرقنى ويعتريني..؟!
متى نفتح بوابة الصراحة، ونمد جسور الثقة بيني وبينك؟ متى أخلع عن وجهي قناع الماضي، فتراني بصورة الحاضر، فتعاملني كما أنا الآن لا كما كنت في ماضي الزمان؟!
متى أغرس يدي في يديك؟ وأزرع عيني في مقلتيك؟ ثم أبثك ما عندي بكل صدق وتجرد، بلا تزين ولا تلون ولا تملق؟!
همسة
يا أبتي: أنا لا أريد أن أشكو منك..
بل أرجو أن أشكو عليك..!
فمتى تغمض بصرك عن طفل الأمس، لتفتح عينك لترى رجل اليوم؟!!
موازين مختلة
يا أبتي: إني أرتضع منك كل مبدأ تحمله، وكل هدف تعيش له، وكل خلق تتحلى به، وكل صفة تتزين بها، وما أحسبني إلا فرعأ في شجرة أنت أصلها.
ينشأ الصغير على ما كان والده

إن العروق عليها ينبت الشجر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة حتى بعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) . فلماذا- يا أبتي- ربيتني على مفاهيم مغلوطة وموازين مقلوبة ومقاييس مختلة، فعشت عليها ووزنت الناس بها
وتعاملت مع الأشياء من خلالها..؟!
فقد علمتني أن التعامل بالحسنى والأخلاق الطيبة إنما هي سذاجة وحماقة تجر على صاحبها الخسارة والفاقة. وأن الكذب في الحديث والنفاق في المعاملة والتلون في المخاطبة إنما هي سياسة وكياسة.
وأن التحايل على الناس وغشهم وسلب ممتلكاتهم نوع من الذكاء والدهاء.
وأن الألفاظ الساقطة والحركات البذيئة إنما هي دعابة ولطافة لا ضير فيها ولا تثريب عليها.
وأن صدق اللهجة وبذل المهجة إنما هو خبال ويجز إلى بال. وأن بذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق إنما هي سلب للحريات وهدر للكرامات وتدخل في حياة الآخرين.
فنشأت- ويا للأسف- ذكياً غير زكي.
وترعرعت- ويا للحسرة- قوياً غير نقي.
وما ذاك إلا لبذرة فاسدة غرست في أرض طاهرة فأنتجت ثمرة كاسدة.
رأيت صلاح المرء يصلح أهله

ويعديهم داء الفساد إذا فســد
يعظم في الدنيا بفضل صلاحه

ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما راع غش رعيته فهو في النار))
الدعاء عليه
يا أبتي:
لماذا- يا أبتي- عندما أفعل ما يغضبك، وأجترح ما يسخطك ترفع أكف الضراعة إلى الذي يسمع من دعاه ويجيب من ناداه، فتدعو علي بالويل والثبور وسيئات الأمور، وترجوه أن ينزل بي ما لا ترضاه لأعدى أعدائك، فكيف بأقربهم منك وأحبهم إليك؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)).
فلعلها- يا أبتي- دعوة منك توافق استجابة من الله فأهلك وأخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينادي مشفقاً في سنته على أمته فيقول: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم " .
وعليك- يا أتجي- بالدعاء لي آناء الليل وأطراف النهار، في سرك وعلانيتك، في رغبك ورهبك، في عسرك ويسرك، في منشطك ومكرهك، فلعلك- يا أبتي- ترفع يداك، وتذرف عيناك، ويقشعر جلدك ويلين قلبك، ويلهج لسانك، فتقول: يا الله..
فيقول لك من يجيب دعوة الداعي إذا دعاه: لبيك يا عبدي
فتقول: يارب.. ابني.. ثم ابني.. ثم ابني..
فيقول لك المجيب القريب: قد فعلت، فتكتب لي سعادة الدنيا والعقبى. وذلك هو الفوز العظيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد ودعوة الصائم، ودعوة المسافر".
الخاتمة
.. وفي الختام.. أيها الآباء الكرام:
ها هم أبناؤكم يحملون يراع التذكير ليسطروا على صدر هذه الرسالة ما دار في خلدهم وما احتبس في أعماقهم وما احتوته جوانحهم فيقولون لكم:
يا من تحملتم أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة أبت من حملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها ومن تبعاتها..
يا من أعطاكم الله الزينة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (46) سورة الكهف. وابتلاكم بالفتنة (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (28) سورة الأنفال وخصكم بالوصية (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ) (11) سورة النساء وحذركم من العداوة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (14) سورة التغابن.
اتقوا الله فينا.. فنحن فلذات أكبادكم.. ومنشأ أصلابكم.. وامتداد أنسابكم.
ونحن أحلام الماضي الغابر، وسعادة الحاضر العابر، وآمال المستقبل السائر.
وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض
اتقوا الله فينا.. وربونا على حب الله وخوفه والرجاء فيما عنده ومراقبته والوقوف عند حدوده والإذعان لأوامره والتمسك بدينه.
ربونا على منهج الله.. وأدبونا بآداب وشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم. عودونا على الطاعة وعلمونا العبادة، وخذوا بحجزنا عن النار وغذونا بالحلال فنحن نصبر على الجوع والعطش ولكن لا نصبر على النار.
ربونا على أن نعيش في الدنيا بمنظار الآخرة فنتزود من ممرنا لمقرنا ومن دنيانا لآخرتنا، وكونوا سلفنا إلى الجنة (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (21) سورة الطور
فنكون وإياكم في الجنة في شغل فاكهون على الأرائك ينظرون وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) [سورة الصافات الآيات: (180- 181) ]





إلى لقاء قريب
يا أبتي:
أرادت- أختي- أن تقول شيئاً فتعثرت كلماتها في فمها.. وتبعثرت حروفها على شفتها.. حياء منك وتقديراً لك فاستلت اليراع من غمده، لتغرسه في عمق المحبرة ونقشت على صدر الورق:
يا أبتي:
انتظر مني رسالة..




وكتبه أفقر الخلق إلى الخالق:
عبد اللطيف هاجس الغامدي
تغمده الله برحمته وعامله بلطفه