عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2007-10-20, 2:36 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
شاور سواك إذا نابتك نائبة

يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما دنا ونأى

ولا ترى نفسها إلا بمرآة
فيا أبتي: من ينمي مداركي- بعد الله- سواك؟!
ومن يعلمني كيف اختار؟ ومتى أصنع القرار إلاك؟!
ومن يفتق ذهني؟ ويحرك عقلي؟ ومن يجعلني أعتمد على نفسي وأثق بها- بعد الله- إلا أنت؟!
ولا تلمزوا أنفسكم
يا أبتي: قرأت في كتاب الله أن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (11) سورة الحجرات
فلماذا أسمع منك تلك العبارات الشائنة، والألفاظ القبيحة، والأوصاف الجارحة التي تشتمني بها؟!
لماذا تسخر من هفواتي؟ وتهزأ من سقطاتي؟
لماذا تلمزني بالألقاب؟ وتسخر مني وتزدريني لأتفه الأسباب؟
فإذا أخذت قلماً من جيبك بدون علمك قلت: يا سارق..!!
وإذا داعبت أخي وأخذت من يده شيئاً ولو بالخطأ قلت: يا محتال..!!
وإذا تأخرت يوماً في تنفيذ أمرك لشغل عارض قلت:
يا كسول..!!
وإذا ضربت أختي الصغيرة مرة واحدة ناديتني: يا شرير..!!
وإذا كذبت مرة واحدة- ولو مازحاً- قلت: يا كذاب..!! وكلما استمعت لكلماتك الجائرة أحس أن كياني تغير، ولوني تبدل، وأحس بحرقة تسري في ضلوعي، ومرارة تسكن في حلقي كمرارة كلماتك الجارحة التي تقذفها كصخور البركان الثائر..!!
يا أبتي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا الفاحش ولا البذي ".
والذي يقصم الظهر- يا أبتي- أني أراك تهزأ بي وتسخر مني وتكيل لي السب والشتم أمام الناس، فأصبح أمامهم منكسراً مهزوم الإحساس فأصبحت النصيحة قبيحة، والتعليم فضيحة..
تعمدني بنصحك في انفراد

وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح سن الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي

فلا تجزع إذا لم تحط طاعة
الشجار والمخاصمة
يا أبتي: ما زلت أسمع أن البيوت مراتع حنان، وجنان أمان.
بيوت تظللها المحبة، وتكتنفها الألفة، ويغشاها الوداد. فلماذا- يا أبتي- بيتنا خلاف ما أسمع وأرى؟!
لقد أصبح بيتنا ساحة معركة تدور رحاها بينك وبين والدتي لتطحن سعادتنا وأنسنا وبهجتنا، وكأنكما وحشان كاسران يريد كل واحد منكما أن يلتهم الآخر..!!
لماذا- يا أبتي- لا تكفان عن هذه المخاصمة وهذا الشجار واللدد الذي أحرق أعصابنا ومزق سعادتنا، وجعل بيتنا جحيماً لا يطاق؟!
إني- يا أبتي- أحرص الحرص كله على ألا أدخل البيت، بل وأتمنى متى أخرج منه كأسير كبلته القيود وصفدته الأغلال ينتظر متى تحل قيوده ليطلق لقدميه العنان.
فإذا خرجت منه تقاذفتني الدنيا فضاقت علي بما رحبت، وضاقت علي نفسي وكلت من المشي قدمي وتعبت من الهم روحي، عدت إليه مهزوماً مكدوداً مخذولاً كبعد آبق رد إلى سيده وقد عصاه الدهر كله، فأكون كمن يستجير من الرمضاء بالنار.
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب

فما حيلة المضطر إلا ركوبها
أعود لأنزوي في ركن من أركانه، أعض أصابع الندم، وأقرع سني من فرط الألم، وألتهم ما تبقى لي من أعصاب وأحرق ما ظل في جسمي من شعور، وأقتات على ما في بدني من إحساس.
فمتى- يا أبتي- أحس فيه بالأمن الذي أتمناه؟!
ومتى أعيش فيه بالحب والود الذي أرجوه؟!
متى..؟! متى؟!
متى يكون الذي أرجو وآمله

أما الذي كنت أخشاه فقد كانا
يا أبتي: وإذا ما جئتني يوماً لتحملني من مستشفى، أو تزورني في سجن، أو تبحث عني بين شلة فاسدة أو في بؤرة فاجرة، أو لتنتشلني من ورطة قاهرة.. فلا تلمني، ولكن وجه اللوم لنفسك، فإني ضحية الخصام والشجار، كعود هشمته المعاول وألقي في لهيب النار..!!
همسة
دعوني أعيش.. صرخة أقذفها في وجه من أحب.. لا تتركوني أسيراً للهموم.. غريقاً في المخاوف.. صريعاً للضياع..!!
خريطة الإهتمام
يا أبتي: من حقي أن يكون لي أب أفتخر به وبوجوده وبانتمائي إليه..
فإذا كنت في المدرسة تمنيت أن يسأل عني فأفتخر به وتنتصب به قامتي أمام أساتذتي وصحبتي.
وإذا كنت في المسجد تلهفت أن يسأل عن مقدار حفظي من كتاب الله وكيف يكون سلوكي مع الله في شعائره ومع الناس في معاملتهم، فيستعز هو بما يسمع و أفتخر أنا بما يعلم.
وإذا كنت خارج البيت رجوت أن يسأل عن أولئك الذين أصاحبهم وألهو معهم فيختار لي جليسا صالحا أزداد به كرامة في الدنيا وسعادة في الآخرة، ويحذرني من جليس السوء ورفيق المعصية وزميل الخطيئة ممن يعدي كما يعدي السليم الأجرب و"الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " (صحيح الجامع).
عن المرء لا تسأل وسئل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي
(عدي بن زيد)
وإذا كنت في داخل البيت تمنيت أن يعلمني كيف أقضي وقتي؟ وكيف أمارس هوايتي؟ وكيف أعامل والدتي وإخوتي؟
وإذا كنت في السوق رغبت أن يثق بي من غير تفريط فيرشدني في بيعي وشرائي وأخذي وإعطائي وبذلي ومنعي. فأين التوجيه والإرشاد لسبيل الخير والسداد؟
وأين المتابعة والمراقبة؟ ثم أين الحساب والعتاب والعقاب؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة" (رواه البخاري ).
همسة
يا أبتي: المدرسة تشتكي، والمسجد يحن، والبيت يئن، والرفاق يتنافسون.
فأين موقعي في خريطة اهتمامك وأعمالك؟
وماذا أنت صانع معي ولي؟!

خطأ الأمس
يا أبتي: إني أفتش في صدور القوم المحيطين بي عن حب لي وعطف علي، فلا أجد سوى قلوب ملئت حقداً وبغضاً، وأبحث عن السبب في صفحات الماضي التي طواها الزمن فأجدني قد أذقتهم مر الإساءة والأذى.
فما زالت يدي تعبث في بيوتهم، فتهشم ممتلكاتهم، وتتلف مقتنياتهم..
وما فتئ لساني يقدح فيهم وينتقصهم ويلمزهم ويسخر منهم..
وما برحت أضرب أبناءهم وفلذات أكبادهم، وأتعدى عليهم أمام أسماعهم وأبصارهم فتنهشني أعينهم، وتهطل علي وابل لعنات قلوبهم وتكاد تسقط عين أحدهم أمامه لفرط دهشته منك عندما لا يراك تحرك ساكناً أو تسكن متحركاً.
فإذا قام قائمهم ليعنفني بكلمة، أو ليقومني بضربة نظرت إليه شزراً، وقمت معاتباً وذهبت مغاضباً.
حرض بنيك على الآداب في الصغر

كيما تقر بهم عيناك في الكبـر
وإنما مثــل الآداب تجمعـها في

عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
يا أبتي: كان الخطأ مني مصدر لطافة ودعابة وشقاوة في مبتداه. ثم صار طبعاً يسري في عروقي ويخالط سجيتي في منتهاه، فكيف أصلح اليوم خطأ الأمس؟ وقد ترسب في النفس؟
قد ينفع الأدب الأحداث في صغر

وليس ينفعهم من بعده الأدب
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت

وليس يلين إذا قومته الحطب
فهلا قومت أخطائي، وعاقبتني على زلاتي، وألزمتني حدودي، حتى لا تعظم خطيئتي، ويكبر عدواني، ويزداد أعدائي.
بين مشرق ومغرب
يا أبتي: يهتز قلبي فرحاً ويمتلىء وجداني سروراً عندما أكون طوع أمرك وأمر والدتي، فأمتثل أمركما وألتزم بما يصدر عنكما ومنكما في غير معصية الله تعالى.
ولكن الحيرة تمتلكني، والدهشة تسكنني، وأقف مذهولاً عندما تتنازعني رغباتكما المتباينة، وآراؤكما المختلفة، وأقوالكما المتضاربة وأوامركما المتضادة.
سارت مشرقة وسرت مغرباً