إن الحياة قصيرة و أيامها معدودة…و منغصاتها كثيرة…و آهاتها عظيمة…و مصائبها جليلة…و رغم ذلك نسعى لخطبة هذه الحياة الفانية …فنقدم لها مهراً ثميناً من حياتنا الباقية…إن الخلق يعيشون ثلاث مراحل من الحياة…الحياة الدنيا …و حياة البرزخ …و حياة الآخرة…فالحياة الدنيا هي أيام معدودة …لا يعلم المرء متى انقضاؤها…و لا يدري متى نهايتها…و لا يعلم متى يرحل منها…و الرسول صلى الله عليه و سلم….يقول إن أعمار أمتي بين الستون إلى السبعون…فهي حياة قصيرة على المقصر و المجتهد…فالمقصر سوف يندم إن لم يتب و يستقيم…و المجتهد يندم إذ لم يستزيد….فغداً يحين الندم..عندما يحضر ملك الموت…و عندما نُحمل على الأكتاف…و يعلم هل كنا على خير أم لا قال تعالى (184) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)سورة آل عمران
عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي من هذا؟ فقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه»
فهل نحن بمأمن من زائر الموت… ؟
بيت ترفرف السعادة في أطرافه…
فيعتقد أهله أن الأفراح سكنت معهم
و أن السعادة سوف تستمر بالتغرير بينهم…
وأن السرور قد نزل بدارهم…
وفجأة وبدون مقدمات ينتزع ملك الموت روحاً من أرواحهم…
فتتحول السعادة إلى تعاسة …و يحزن الجميع…و لكن هو القضاء الذي لا مفر منه…
۞۞۞
أم بين أطفالها تُضاحكُ هذا و تنظر إلى حاجة هذا…
و تبتسم لسعادة هذا و تبكي لحزن ذاك…
و فجأة ينتزعها الموت من بينهم…
فيفقد الأطفال عطف أم روؤم و لطف أم حنون…
فيخلعون ثوب السعادة ويلبسون ثوب الحزن أبد الدهر…
فيبكون لفقدها…و يتحسرون لغيابها…و لكن هو الموت الذي لا مهرب عنه .
۞۞۞
و أبٌ بين أبنائه يداعبهم تارة …و يسعى في قوتهم تارة…
فيحل يومه …وبلا ميعاد…و يدخل عليهم بلا موعد..
و يصبحوا في يوم و ليلة …أيتام يتصدق الناس عليهم…
فينزل الضيق عليها…و يحيط الهم و الكرب بهم…
و ليس لهم إلا الرضا بالقضاء…إنه هادم اللذات ومفرق الجماعات…
۞۞۞
و أخ بين أخوته…
هو أنيسهم …و رفيقهم…
فينزل القضاء فينزعه من بينهم…
فيفقدوا الأنس و السعادة برحيله …
فيبحثوا عن بقايا من بسماته…و شيئاً من مداعبته…
و لا يجدوا إلا بعض بقايا من أغراضه التي خلفها بعد وفاته…فإنا لله و إنا إليه راجعون…
قال الحسن: ( إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عشياً لا موت فيه)
۞۞۞
و نائم ينتظر صباحه…
فيمسي بعداد الأحياء…
و يصبح بعداد الأموات…
فيمسي بين صحبه…
و يصبح في وسط لحده…
۞۞۞
و كم من بعيد أمل أن يعود لحبيبه…
فطواه الموت قبل أن تكتحل عينه بلقيا حبيبه….
فانقطع الأمل بالتلاقي في الحياة…
بعد أن أصبح في عداد الأموات…
۞۞۞
قال التميمي: ( شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى )
أخي العزيز…
إن الملك الموكل بقبض الأرواح ينتظر من يحل يومه…فمن ياترى تحمل القائمة ؟
و هل يومي الآن …أو بعد لحظات… أو بعد حين ..العلم عند رب العالمين
نسأل الله حسن الخاتمة…و أن يمد بالأعمار على طاعة
إن اللبيب هو الذي لا يهمه متى موعد موته…بل هو بشغل دائم بالتزود من موارد الخير…و سُلوك طريق المتقين ..فأمن النهاية …و لا تخيفة متى تكون ومتى تحين تلك النهاية…
تزود من التقوى فإنك لا تدري *** إذا جن ليل هل تعيـش إلـى الفجـر
فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من صبي يرتجى طول عمره *** وقد نسجت أكفانه وهو لا يـدري
۞۞۞
أخي الحبيب…
إن للموت لسكرات…
تذكر أشد كربات الدنيا …فالسكرات منها أشد…
تذكر أشد مصائب الدنيا فالسكرات منها أعظم…
تذكر أشد الضيق الذي يحل بالمرء فالسكرات منها أعلى…
كفى به ألماً أنه آلم الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم و هو الصابر المحتسب فقد روت عائشة رضي الله عنها و قالت : ( إن رسول الله كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول : لا إله إلا الله إن للموت سكرات , ثم نصب يده فجعل يقول : في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده )رواه البخاري
يال قلبي.. و بأبي أنت و أمي يارسول الله…فقد آلمتك السكرات…
ويال حزني و أنت أفضل الخلق …لقد حرتك لحظات الممات…
إذا كنت أنت الحبيب المصطفى قد أعيتك السكرات… فكيف بمثلنا من المقصرين الضعفاء ؟!… فاللهم نسألك العون … فإنه لا مهرب منه …و لا ملاذ عن كرباته إلا بعونك ياربنا قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) فاللهم رحمتك بنا عندما يشتد بنا و يشتد… و اللهم لطفك بنا عندما ينتزع انتزاعاً من أطراف أجسامنا حتى يصل التراقي …فلا ينفع طبيب أو راق قال تعالى : (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) ) القيامة
فنسألك حسن الخاتمة…
و أن تجمل النهاية…
فإنها عندما نبلغ النهاية ..تقفل أبواب قبول الأعمال.. و يصير المرء مرهوناً بما كسبت يمينه..قال تعالى (82) فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة
فياليت شعري ماذا يتمنى المرء في موقفه هذا…
و ليت شعري فهل يتمنى مسرف على نفسه أنه وقع في شراك معصيته…
قال تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) سورة الأنعام
و هل يتمنى مفرط أن فرط في جنب الله…
و هل يتمنى مقصر على تقصيره…
فهناك تحين ساعة الندم و لات ساعة مندم…
قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) سورة الأنبياء
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في خطبته : يا عباد الله : الموت الموت ، فليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، الموت معقود بنواصيكم ، فالنجاة النجاة ، الوحا الوحا ، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر ، ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول : أنا بيت الظلمة .. أنا بيت الوحشة .. أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد من ذلك اليوم ، يوما يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير قال تعالى ( وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد)
وقال الدقاق: ( من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، من نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة )
۞۞۞