إن أصحاب الأيكة المعاصرين الحاصلين على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم .. يتساءلون أولاً في استنكار : وما للإسلام وسلوكنا الشخصي ؟ وما للإسلام والسياسة ؟ وما للإسلام و زي المرأة في الطريق ؟ وما للإسلام وبناء الأسرة ونظامها ؟!
فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين ( أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ؟ ) هود : 87 .. وهم يتساءلون ثانياً .. بل ينكرون وبشدة وعنف أن يتدخل الدين في الاقتصاد ، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد ..
فما للدين والمعاملات الربوية ؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي ؟ لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده .. وينكرون حتى على بعض أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية - النظرية الأخلاقية مثلا ً- ويعدونها تخليطاً من أيام زمان !
فلا يذهبن بنا الترفع كثيراً على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى .. ونحن اليوم نرى خلفهم الرجعيين من العلمانيين والليبراليين الذين يدعون العلم والمعرفة والحضارة ، ويتهمون الذين يربطون بين العقيدة في الله ، والسلوك الشخصي في الحياة ، والمعاملات المادية في السوق .. بالرجعية والتعصب والجمود ! فأي الفريقين أحق بالرجعية الجاهلية لو كانوا يعلمون ؟!.
ويحسن في هذا المقام أن نقف مع ذلك الليبرالي الذي يتبجح بالليبرالية ويعلنها وكان من قبل ذلك يستخفي بها ويطرحها على استحياء لنقول له حدَّد لنا معنى هذا المصطلح الذي تتشرف بالانتساب إليه ؟!
فسيقول لنا إنها لفظه أجنبية تعني التحرر والانطلاق من كل قيد يقيِّد حرية الإنسان ولو كان ذلك القيد هو شرع الله عز وجل ودينه .. حينئذ نقول له إنك بتحررك من شريعة الله عز وجل والتي هي عقيدة وأحكام وسلوك تكون بذلك قد أرتكست في العبودية لهواك ووضعت ربقه الرق الحقيقي في عنقك ..
وإن كنت ترى أن هذه هي الحرية فأنت مخادع لنفسك مغالط لغيرك حيث أن ما أنت فيه إن هو إلا الرق والذلة والعبودية الجاهلية كما قال أبن القيم رحمه الله تعالى عن أمثال هؤلاء الليبراليين : هربوا من الرق الذي خلقوا له .. وبلوا برق النفس والشيطان ..
ويقول شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله تعالى : ( من لم يكن مخلصاً لله عبداً قد صار قلبه مستعبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه ويكون ذليلاً خاضعاً له وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين وكان من العادين إخوان الشياطين ) العبودية : ص36
ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى : ( إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع – متمثلة في سيادة شريعته الربانية – تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد .
وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام أو للحضارة - كما هي في ميزان الله - لأن الحضارة التي يريدها الله للناس تقوم على قاعدة أساسية من الكرامة والتحرر لكل فرد. ولا كرامة ولا تحرر مع العبودية لعبد .. لا كرامة ولا تحرر في مجتمع بعضه أرباب يشرعون ويزاولون حق الحاكمية العليا ..
وبعضهم عبيد يخضعون ويتبعون هؤلاء الأرباب ! والتشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية.. فالقِيم والموازين والأخلاق والتقاليد .. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه شاعرين أو غير شاعرين !.. ومجتمع هذه صفته هو مجتمع رجعي متخلف ) في ظلال القرآن : 3/1257 ..
إذن وبهذا يتضح لنا بجلاء أن الليبراليين الذين يتشدقون بنحلتهم هذه و ينادون بالحرية ويطالبون بتحقيقها في المجتمعات ثم هم ينشدونها في نظم جاهلية بعيدة عن المصدر الحقيقي للحرية وهم عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له ..
إنما هم ضالون مضلون صادُّون عن سبيل الله عز وجل ، إذ لا حرية حقيقية إلا في نقل الناس من عبادة غير الله عز وجل إلى عبادة الله وحده وبدون ذلك فهو الرق ولاستعباد والذلة والشقاء مهما تشدق أصحاب هذه المطالب باسم حقوق الإنسان أو غيرها .
والواقع المرير الذي تعيشه البشرية اليوم أكبر شاهد على ذلك .. حيث تحولت البشرية اليوم إلى استعباد القوي للضعيف والكبير للصغير ، وذلك على مستوى الأفراد والطوائف والدول ثم إذا نظرنا على حياة من أعرض عن عبادة الله عز وجل ودينه رأيناه مرتكساً في عبوديات مذلة ..
فهذا أصبح عبداً لشهوته وهذا لمنصبه وهذا لكبريائه وهذا لماله واستبدلوا بعبادة الله عز وجل التي فيها العزة والكرامة والحرية عبادة بعضهم لبعض وعبادة الهواء حيث الذلة والمهانة والرق الحقيقي وهذه هي الحرية والتحرر الذي يريده دعاة الليبرالية المعاصرون .. نسأل الله عز وجل أن يهديهم ويهدي ضال المسلمين والحمد لله رب العالمين .
الشيخ / عبد العزيز الجليل