الله موجود ، ولا موجود سواه .
( سورة الفتح الآية : 10 ) .
لا تقل: الطغاة البعيدون أوقعوا الأذى بنا ، نحن السبب ، وتقصيرنا جلب عدوان الطغاة علينا ، بتفلتنا من منهج سلط ربنا الأعداء علينا .
(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ، ولا يلومن إلا نفسه )) .
[علل ابن أبي حاتم ]
صدقوا أيها الإخوة ، أن منتهى العقل أن تلوم نفسك وحدها ، أنا مقصر ، هناك واجب لم أؤدّه ، هناك معصية ارتكبتها ، هناك مال ليس مشروعاً اكتسبته ، هناك علاقة آثمة فعلتها ، فاستحق من الله هذا التأديب ، أنت حينما تتعامل مع الله في هذا المنطق ، وبهذا الفهم ، وبهذا التنزيه للذات العلية ، لا يلومن أحد إلا نفسه ،
لوم نفسك لا يعني عدم المطالبة بحقك
لا أنفي أن تطالب بحقك ، لا ، هذا موضوع ثانٍ .
( سورة الشورى ) .
تطالب بحقك ، هل أسمح لإنسان أن يقود مركبة بشكل طائش ، وأن يرتكب حادثًا وأن أقول : هذا ترتيب الله ؟ لا ، أحاسبه ، وأضعه في السجن تأديباً له ، هذا موضوع آخر ، أنا أتحدث عن التوحيد ، لئلا تحقد على أحد ، هذا الذي أوقع بك أذىً سمح الله له أن يفعل ذلك ، ولولا هذا الذي وقع بك له حكمة بالغة قد تكشفها بعد حين لما وقع ، لذلك عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .
[ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله عنه ] .
أنا أخشى أن يفهم من كلامي هذا أنه إذا دخل إلى بيت إنسانٍ سارقٌ يقول : هكذا ترتيب الله ، ماذا نفعل ؟ سمح الله له ، وتقف أنت مستسلمًا كما يفعل المسلمون اليوم ، ينتظرون رد الفعل ، هم لا يفعلون شيئاً ، ينتظرون ماذا يفعل بهم ، بين أن تفعل ، وبين أن يفعل بك فرق كبير .
أوضحُ مثلٍ حديث الإفك :
( سورة النور الآية : 11 ) .
أن تُتّهم السيدة الأولى ، السيدة عائشة بالزنى ؟ خير ، هكذا قال الله ، لأن الله عز وجل امتحن المؤمنين ، الذي ينطوي على إيمان ضعيف ، أو الذي يقترب من النفاق روّج الخبر وفرح به ، وفضح نبيهم ، وأما المؤمن فظن في نفسه خيراً ، واللهُ فَرَز المؤمنين ، أنت قد تقول : إن الذي روج الخبر لا ذنب له إنسان لأن الله شاء أن يفتضح هذا الأمر .
( سورة النور ) .
دققوا في هذه الكلمة : التوحيد لا يعفي من المسؤولية ، حديثي فقط من أجل ألا تحقد ، من أجل ألا تنقم على أحد ، من أجل ألا تسحق ، لكن الخطأ خطأ ، ومحاسب عليه .
أضرب مثلًا آخر : لو جاء مريض في حالة إسعاف ، والطبيب المناوب يدير حديثًا آثمًا مع ممرضة ، قال لهم : دعوه قليلاً ، فمات ، لو أن الطبيب قال : سبحان الله ! مات بأجله ، هذا إنسان كاذب ، يحاسب كقاتل ، لأنه قصر ، كان من الممكن أن يسعفه .
تقول : هكذا ترتيب الله عز وجل ، وترتيب سيدك ، وماذا بيدنا ، وما بيدنا شيء ، هذا كله كلام زعبرة وتلبسة ، أنت حينما تؤمن أن الذي وقع أراده الله هذا لا يعفيك من المسؤولية ، تحاسب ، لكن التوحيد من أجل ألا تحقد ، من أجل ألا تندب حظك ، من أجل ألا تتهم الله بالظلم ، دقق :
ما قال : فقل :
( سورة محمد الآية : 19 ) .
كل شيء بيده ، وإن جاءني شيء لا يعجبني ، جاءني قضاء مكروه ، قال :
( سورة محمد الآية : 19 ) .
ما علاقة القسم الثاني بالقسم الأول ؟ ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ، كل شيء وقع أراده الله ، يا رب ، لماذا أوقعت بنا هذا المصاب ؟ قال له : ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ ، لولا أنك فعلت شيئاً يستوجب هذا لما وقع ، هذه الحقيقة المرة ، لكن من السهل جداً أن تقول : استعمار ، والموساد ، والغرب ، وطغيان ، القضية سهلة جداً ، أنت مرتاح ، لا تقدم ولا تؤخر ، والأخطاء كلها أنت مصرٌّ عليها ، وتتهم الطغاة في العالم ، لا ، الله عز وجل بيده كل شيء ، ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ .
الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي السعي