{ والسماء ذات الرجع }
هذة الآية الكريمة التي جاءت في منتصف سورة الطارق هي من آيات القسم في القرآن الكريم, والقسم في كتاب الله يأتي من قبيل تنبيهنا إلي أهمية الأمر المقسوم به, لأن الله( تعالي) غني عن القسم لعباده كما سبق وأن ذكرنا.
والقسم هنا بالسماء وبصفة خاصة من صفاتها وهي أنها ذات الرجع, وفي ذلك قال قدامي المفسرين إن رجع السماء هو المطر, وأنه سمي رجعا لأن بخار الماء يرتفع أصلا من الأرض إلي السماء حيث يتكثف ويعود إلي الأرض مطرا بإذن الله, في عملية دائمة التكرار والإعادة, ولفظة الرجع هنا مستمدة من الفعل رجع بمعني عاد وآب ولذا سمي المطر رجعا كما سمي أوبا.
ومع تسليمنا بصحة هذا الاستنتاج يبقي السؤال المنطقي: إذا كان المقصود بالتعبير رجع السماء هو المطر فقط فلماذا فضل القرآن الكريم لفظة الرجع علي لفظة المطر؟ ولماذا لم يأت القسم القرآني بالتعبير والسماء ذات المطر بدلا من والسماء ذات الرجع؟
واضح الأمر ــ والله تعالي أعلم ــ أن لفظة الرجع في هذه الآية الكريمة لها من الدلالات مايفوق مجرد نزول المطر ــ علي أهميته القصوي لاستمرارية الحياة علي الأرض ــ مما جعل هذه الصفة من صفات السماء محلا لقسم الخالق( سبحانه وتعالي) ــ وهو الغني عن القسم ــ تعظيما لشأنها وتفخيما. فما هو المقصود بالرجع في هذه الآية الكريمة؟
يبدو ــ والله تعالي أعلم ــ أن من معاني الرجع هنا الارتداد أي أن من الصفات البارزة في سمائنا أنها ذات رجع أي ذات ارتداد, بمعني أن كثيرا مما يرتفع إليها من الأرض ترده إلي الأرض ثانية, وأن كثيرا مما يهبط عليها من أجزائها العلا يرتد ثانية منها إلي المصدر الذي هبط عليها منه, فالرجع صفة أساسية من صفات السماء, أودعها فيها خالق الكون ومبدعه, فلولاها ما استقامت علي الأرض حياة, ومن هنا كان القسم القرآني بها تعظيما لشأنها, وتنبيها لنا لحكمة الخالق( سبحانه وتعالي) من إيجادها وتحقيقها.
وهذا التفسير تؤكده شواهد لغوية وعلمية بالرجوع لاقوال المفسرين وابحاث العلماء نجد عظمة الخالق في استخدام لفظة (ذات الرجع) فسبحانه جل في علاه.