من صور رجع السماء:
باعتبار المقصود من السماء في اﻵية الكريمة (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أنه الغﻼف الغازي لﻸرض نجد الصور التالية من رجع السماء:
(1) الرجع اﻻهتزازي للهواء (اﻷصوات وصداها):
تحتوي الطبقة الدنيا من الغﻼف الغازي لﻸرض (نطاق التغيرات الجوية) على 75% من كتلة ذلك الغﻼف ويتكون أساسًا من غاز النيتروجين (78% حجمًا), واﻷوكسجين (21.95% حجمًا)، وآثار خفيفة من بخار الماء, وثاني أكسيد الكربون, واﻷوزون, وبعض هباءات الغبار, وآثار أقل تركيزًا من اﻹيدروجين, اﻷرجون, الهيليوم, وبعض مركبات الكبريت.
وكل من التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية لهذا النطاق يعتبر من الضرورات اﻷساس للحياة اﻷرضية, ومنها القدرة على السمع، فلو لم يكن لنطاق الرجع هذه الكثافة الغازية المحددة ما أمكن لﻼهتزازات المحدثة لﻸصوات وصداها أن تُسمع, فعندما تهتز أحبالنا الصوتية تحدث اهتزازاتها ضغوطًا في الهواء تنتشر على هيئة أمواج تتحرك في الهواء في كل اﻻتجاهات من حولنا, فتصطدم بالجوامد وترتد على هيئة صدى الصوت أو تتلقاها طبلة اﻷذن ﻷفراد آخرين فتحدث بها من اﻻهتزازات واﻻرتدادات ما يمكنهم من سماعها بوضوح، ولوﻻ التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية المحددة لذلك النطاق ما سمع بعضنا بعضًا، وﻻستحالت الحياة. وذلك ﻷن الصوت ﻻ ينتقل في الفراغ لعدم وجود جزيئات الهواء القادرة على نقل الموجات الصوتية.
وتتحرك الموجات الصوتية في الهواء بسرعة 1.200 كيلومتر في الساعة عند مستوى سطح البحر, وتزداد سرعة الصوت كلما زادت كثافة الوسط الذي يتحرك فيه, وتقل بقلة كثافته, ففي الماء تتضاعف سرعة الصوت أربع مرات تقريبًا عنها في الهواء, وفي النطق العليا من الغﻼف الغازي لﻸرض تتناقص حتى ﻻ تكاد تسمع, ولذلك يتخاطب رواد الفضاء مع بعضهم بعضًا بواسطة الموجات الراديوية التي يمكنها التحرك في الفراغ.
وعندما تصطدم الموجات الصوتية بأجسام أعلى كثافة من الهواء, فإنها ترتد على هيئة صدى للصوت الذي له العديد من التطبيقات العملية. والرجع اﻻهتزازي للهواء على هيئة اﻷصوات وصداها هو أول صورة من صور رجع السماء, ولوﻻه ما سمع بعضنا بعضًا وما استقامت الحياة على اﻷرض.
(2) الرجع المائي:
يغطي الماء أكثر قليﻼً من 71% من المساحة الكلية للكرة اﻷرضية، وتبلغ كميته 1.4 (1.36) مليار كيلومتر مكعب (منها97.2% في المحيطات والبحار, 2.15% على هيئة جليد حول القطبين وفي قمم الجبال, 0.65% في المجاري المائية المختلفة من اﻷنهار والجداول وغيرها, وفي كل من البحيرات العذبة وخزانات المياه تحت سطح اﻷرض.
وهذا الماء اندفع كله أصﻼً من داخل اﻷرض عبر ثورات البراكين, وتكثف في اﻷجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية والتي تتميز ببرودتها الشديدة, فعاد إلى اﻷرض ليجري أنهارًا على سطحها, ويفيض إلى منخفضاتها مكونًا البحار والمحيطات؛ ثم بدأ هذا الماء في حركة دائبة بين اﻷرض والطبقات الدنيا من الغﻼف الغازي حفظته من التعفن ومن الضياع إلى طبقات الجو العليا؛ وتعرف هذه الدورة باسم (دورة الماء حول اﻷرض).
وماء اﻷرض يتبخر منه سنويًا (380.000) كيلومتر مكعب أغلبها (320.000كم3) يتبخر من أسطح المحيطات والبحار والباقي (60.000كم3) يتبخر من سطح اليابسة, وهذا البخار تدفعه الرياح إلى الطبقة الدنيا من الغﻼف الغازي لﻸرض، وتحمله السحب حيث يتكثف ويعود إلى اﻷرض مطرًا أو ثلجًا أو بَرَدًا، وبدرجة أقل على هيئة ندى أو ضباب. وحينما ترجع أبخرة الماء من الجو إلى اﻷرض بعد تكثفها يجري قسم منها في مختلف أنواع المجاري المائية على اليابسة, وتصب هذه بدورها في البحار والمحيطات, كما يترشح جزء منها خﻼل طبقات اﻷرض ذات المسامية النفاذية ليكون مخزون الماء تحت سطح اﻷرض, وهناك جزء يعاود تبخره إلى الجو مرة أخرى.
والماء المخزون تحت سطح اﻷرض هو أيضًا في حركة دائبة حيث يشارك في تغذية بعض اﻷنهار والبحيرات والمستنقعات, وقد يخرج إلى سطح اﻷرض على هيئة ينابيع تحفر عليه اﻵبار, أو ينتهي بها المطاف إلى البحار والمحيطات.
وماء المطر يسقط على المحيطات والبحار بمعدل 284.000 كيلومتر مكعب في السنة, وعلى اليابسة بمعدل 96.000 كيلومتر مكعب في السنة، وذلك في دورة معجزة في كمالها ودقتها, ومن صور ذلك أن ما يتبخر من أسطح المحيطات والبحار في السنة يفوق ما يسقط فوقها بمعدل 36.000 كيلومتر مكعب وأن ما يسقط من مطر على اليابسة سنويًّا يفوق ما يتبخر منها بنفس المعدل (36.000كم3)، ولما كان الفارق في الحالتين متساويًا تمامًا فإنه يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات ليحفظ منسوب الماء فيها عند مستوى ثابت في الفترة الزمنية الواحدة.
هذه الدورة المعجزة للماء حول اﻷرض هي الصورة الثانية من صور رجع السماء, ولوﻻها لفسد كل ماء اﻷرض الذي يحيا ويموت فيه بﻼيين الكائنات في كل لحظة، ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار, ولبرودة شديدة بالليل.
شكل يوضح نطق الغﻼف الغازي لﻸرض
شكل يوضح نطق الغﻼف الغازي لﻸرض
(3) الرجع الحراري إلى اﻷرض وعنها إلى الفضاء بواسطة السحب:
يصل إلى اﻷرض من الشمس في كل لحظة شروق كميات هائلة من طاقة الشمس, ويعمل الغﻼف الغازي لﻸرض كدرع واقية لنا من حرارة الشمس أثناء النهار, ﻷن ذراته وجزيئاته تمتص وتشتت وتعيد إشعاع أطوال موجات محددة من اﻷشعة الشمسية في كل اﻻتجاهات بعيدًا عن اﻷرض. كما يعمل النطاق اﻷسفل منه (نطاق الرجع) كغطاء بالليل يمسك بحرارة اﻷرض من التشتت ويردها إلى اﻷرض.
وتعرف كمية الطاقة الشمسية التي تقع على السنتيمتر المربع من سطح اﻷرض في كل ثانية من فترات إشراقها وهي على متوسط المسافة بينها وبين اﻷرض باسم الثابت الشمسي (The Solar Constant)، ويقدر ذلك بحوالي 0.033 كالوري/ سم2/ ثانية (أي حوالي 2 كالوري/ سم2/ دقيقة) بافتراض عدم وجود غﻼف غازي لﻸرض، علمًا بأن غالبية هذه الطاقة تفقد بمرورها في هذا الغﻼف الغازي.
ومن اﻷشعة الشمسية القادمة إلى اﻷرض يمتص ويشتت ويعاد إشعاع حوالي 53% منها بواسطة الغﻼف الغازي لﻸرض, وتمتص صخور وتربة اﻷرض حوالي 47% منها, ولوﻻ هذا الرجع الحراري إلى الخارج ﻷحرقت أشعة الشمس كل صور الحياة على اﻷرض, ولبخرت الماء وخلخلت الهواء.
وعلى النقيض من ذلك فإن السحب التي تردّ عنّا ويﻼت حرارة الشمس في نهار الصيف هي التي ترد إلينا (98%) من أشعة الدفء بمجرد غروب الشمس، فصخور اﻷرض تدفأ أثناء النهار بحرارة الشمس بامتصاص حوالي 47% من أشعتها فتصل درجة حرارتها إلى 15 درجة مئوية في المتوسط، وبمجرد غياب الشمس تبدأ صخور اﻷرض في إعادة إشعاع حرارتها على هيئة موجات من اﻷشعة تحت الحمراء تمتصها جزيئات كل من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون فتدفئ الغﻼف الغازي لﻸرض, كما تعمل السحب على إرجاع غالبية الموجات الطويلة التي ترتفع إليها من اﻷرض (98%) مرة أخرى إلى سطح اﻷرض وبذلك تحفظ الحياة اﻷرضية من التجمد بعد غياب الشمس.
ولو لم يكن لﻸرض غﻼف غازي ﻷحرقتها حرارة الشمس بالنهار، ولوﻻ السحب المتكونة في الجزء السفلي من غﻼف اﻷرض الغازي ما رجع إلينا الدفء المنبعث من صخور اﻷرض بعد تعرضها لحرارة الشمس، ولتشتتت هذه الحرارة إلى فسحة الكون، وتجمدت اﻷرض وما عليها من صور الحياة في نصف الكرة المظلم بمجرد غياب الشمس. وهذا الرجع الحراري بصورتيه إلى الخارج وإلى الداخل مما يحقق صفة الرجع لسماء اﻷرض.
(4) رجع الغازات واﻷبخرة والغبار المرتفع من سطح اﻷرض:
عندما تثور البراكين تدفع بمﻼيين اﻷطنان من الغازات واﻷبخرة واﻷتربة إلى جو اﻷرض الذي سرعان ما يرجع غالبية ذلك إلى اﻷرض, كذلك يؤدي تكون المنخفضات والمرتفعات الجوية إلى دفع الهواء في حركة أفقية ينشأ عنها الرياح التي يتحكم في هبوبها* ـبعد إرادة الله تعالى ـ عدة عوامل منها: مقدار الفرق بين الضغط الجوي في منطقتين متجاورتين, ومنها دوران اﻷرض حول محورها من الغرب إلى الشرق, ومنها تنوع تضاريس اﻷرض والموقع الجغرافي للمنطقة.
والغالبية العظمى من المنخفضات الجوية تتحرك مع حركة اﻷرض (أي من الغرب إلى الشرق) بسرعات تتراوح بين20 و30 كيلومترًا في الساعة، وعندما تمر المنخفضات الجوية فوق اليابسة تحتكّ بها فتبطؤ حركتها قليﻼً وتحمل بشيء من الغبار الذي تأخذه من سطح اﻷرض, وإذا صادف المنخفض الجوي في طريقه سﻼسل جبلية معترضة فإنه يصطدم بها مما يعين على إبطاء سرعتها وعلى عود الهواء إلى أعلى, ولما كان ضغط الهواء يتناقص باﻻرتفاع إلى واحد من ألف من الضغط الجوي العادي ـ أي عند سطح البحر ـ إذا وصلنا إلى ارتفاع 48 كيلومترًا فوق ذلك المستوى، وإلى واحد من مئة ألف من الضغط الجوي إذا وصلنا إلى ارتفاع ألف كيلومتر، فإن قدرة الهواء على اﻻحتفاظ بالغبار المحمول من سطح اﻷرض تضعف باستمرار مما يؤدي إلى رجوعه إلى اﻷرض وإعادة توزيعه على سطحها بحكمة بالغة, وتعين على ذلك الجاذبية اﻷرضية.
(5) الرجع الخارجي لﻸشعة فوق البنفسجية بواسطة طبقة اﻷوزون:
تقوم طبقة اﻷوزون في قاعدة نطاق التطبق بامتصاص وتحويل اﻷشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات اﻷوزون (O3) وترد نسبًا كبيرة منها إلى خارج ذلك النطاق، وبذلك تحمي الحياة على اﻷرض من أخطار تلك اﻷشعة المهلكة التي تحرق كﻼًّ من النبات والحيوان واﻹنسان، وتتسبب في العديد من اﻷمراض من مثل سرطانات الجلد وإصابات العيون وغيرها، ويمكن أن تؤدي إلى تبخير ماء اﻷرض بالكامل.
أحزمة اﻹشعاع التي ترجع عنا اﻹشعة الكونية
(6) رجع الموجات الراديوية بواسطة النطاق المتأين:
في النطاق المتأين (بين100 و400 كم فوق مستوى سطح البحر) ـ تمتص الفوتونات النشيطة القادمة مع أشعة الشمس من مثل اﻷشعة السينية فتؤدي إلى رفع درجة الحرارة وزيادة التأين, ونظرًا ﻻنتشار اﻹليكترونات الطليقة في هذا النطاق فإنها تعكس اﻹشارات الراديوية القادمة مع أشعة الشمس إلى خارج نطاق اﻷرض، كما تعكس موجات الراديو المبثوثة من فوق سطح اﻷرض وتردها إليها فتيسر عمليات البث اﻹذاعي واﻻتصاﻻت الراديوية، وكلها تمثل صورًا مختلفة من الرجع.
(7) رجع اﻷشعة الكونية بواسطة كل من أحزمة اﻹشعاع والنطاق المغناطيسي لﻸرض:
يمطر الغﻼف الغازي لﻸرض بوابل من اﻷشعة الكونية اﻷولية التي تمﻸ فسحة الكون فتردها, إلى الخارج كل من أحزمة اﻹشعاع والنطاق المغناطيسي لﻸرض فﻼ يصل إلى سطح اﻷرض منها شيء، ولكنها تؤدي إلى تكون أشعة ثانوية قد يصل بعضها إلى سطح اﻷرض فتؤدي إلى عدد من ظواهر التوهج واﻹضاءة في ظلمة الليل من مثل ظاهرة الفجر القطبي.
واﻷشعة الكونية بأنواعها المختلفة تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي لﻸرض، والتي تنحني لتصب في قطبي اﻷرض المغناطيسيين, وذلك لعجزها عن عبور مجال اﻷرض المغناطيسي, ويؤدي ذلك إلى رد غالبية اﻷشعة الكونية القادمة إلى خارج نطاق الغﻼف الغازي لﻸرض، وما يمكن أن يفلت منها ترده أحزمة اﻹشعاع، وهذه صورة من صور الرجع لم تعرف إﻻ بعد ريادة الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين.