|
********* جاء العلم الحديث اليوم ليكشف لنا العديد من الحقائق المتعلقة بالسمع والبصر, ومن هذه الحقائق التي كشف عنها العلم الحديث:
1- أن آلة السمع وهي اﻷذن تتكون قبل آلة البصر وهي العين, فاﻷذن والعين تتطوران في وقت متزامن تقريباً في الحياة الجنينية اﻷولى، إذ تظهر الصحيفة السمعية في آخر اﻷسبوع الثالث (Otic Placode) وهي أول مكونات آلة السمع، بينما تظهر الصحيفة البصرية في أول اﻷسبوع الرابع من حياة الجنين, وتتطور اﻷذن الداخلية للجنين من هذه الصحيفة السمعية, فيظهر في اﻷسبوع الرابع الكيس الغشائي لحلزون اﻷذن (Cochlea Membraneous) الذي ينمو طولياً ويلتف لفتين ونصف مكوناً الحلزون الكامل في اﻷسبوع الثامن، ثم تتم إحاطة الحلزون بغﻼف غضروفي في اﻷسبوع الثامن عشر، وينمو هذا حتى يصل حجمه الحجم الطبيعي له عند البالغين في نهاية اﻷسٍبوع الواحد والعشرين، عندما ينمو فيه عضو كورتي -وهو عضو حس السمع- وتظهر فيه الخﻼيا الشعرية الحسية التي تحاط بنهايات العصب السمعي. وبهذا تكون اﻷذن الداخلية قد نمت ونضجت لتصل إلى حجمها الطبيعي عند البالغين وأصبحت جاهزة للقيام بوظيفة السمع المخصصة لها في الشهر الخامس من عمر الجنين.
********* إن هذا القسم من اﻷذن يتمكن منفرداً من التحسس لﻸصوات ونقل إشاراتها إلى الدماغ ﻹدراكها دون أية ضرورة لمساهمة اﻷذنين الوسطى والخارجية من اﻷديم الظاهر واﻷذن الوسطى من اﻷديم المتوسط فتتولد عظيمات وعضﻼت اﻷذن الوسطى وبوق اوستاكي وغشاء الطبلة والصماخ السمعي الخارجي خﻼل اﻷسابيع 10-20, ثم يتم اتصالها باﻷذن الداخلية في اﻷسبوع الحادي والعشرين. كما يتضح شكل صيوان اﻷذن في بداية الشهر الخامس ويتكامل نموه في اﻷسبوع الثاني والثﻼثين.
أما العين فﻼ يتم تكامل طبقتها الشبكية الحساسة للضوء إﻻ بعد اﻷسبوع الخامس والعشرين وﻻ تتغطى ألياف العصب البصري بالطبقة النخاعية لتتمكن من نقل اﻹشارات العصبية البصرية بكفاءة إﻻ بعد أسابيع من وﻻدة الجنين. كما يبقى جفني عيني الجنين حتى اﻷسبوع السادس والعشرين من الحياة الجنينية. *
ويتضح مما تقدم أن اﻷذن الداخلية للجنين تنضج وتصبح قادرة على السمع في الشهر الخامس، بينما ﻻ تفتح العين وﻻ تتطور طبقتها الحساسة للضوء إﻻ في الشهر السابع وحتى عند ذاك لن يكون العصب البصري مكتمﻼً لينقل اﻹشارات العصبية الضوئية بكفاءة، ولن تبصر العين ﻷنها غارقة في ظلمات ثﻼث
2- اﻷذن تبدأ في العمل قبل العين, فلقد ثبت علمياً أن اﻷذن الداخلية للجنين تتحسن لﻸصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات حركات أمعاء وقلب أمه، وتتولد نتيجة هذا السمع إشارات عصبية سمعية في اﻷذن الداخلية، والعصب السمعي والمنطقة السمعية في المخ، يمكن تسجيلها بآﻻت التسجيل المختبرية، وهذا برهان علمي يثبت سماع الجنين لﻸصوات في هذه المرحلة المبكرة من عمره. ولم تسجل مثل هذه اﻹشارات العصبية في الجهاز البصري للجنين إﻻ بعد وﻻدته.
3- اكتمال حاسة السمع قبل حاسة البصر بعد خروج الجنين, حيث يمكن للجنين أن يسمع اﻷصوات بالطريقة الطبيعية بعد بضعة أيام من وﻻدته بعد أن تمتص كل السوائل وفضﻼت اﻷنسجة المتبقية في أذنه الوسطى والمحيطة بعظيماتها ثم يصبح السمع حاداً بعد أيام قﻼئل من وﻻدة الطفل.
أما حاسة البصر فهي ضعيفة جداً عند الوﻻة إذ تكاد أن تكون معدومة، ويصعب على الوليد تمييز الضوء من الظﻼم، وﻻ يرى إﻻ صوراً مشوشة للمرئيات، وتتحرك عيناه دون أن يتمكن من تركيز بصره وتثبيته على الجسم المنظور، ولكنه يبدأ في الشهر الثالث أو الرابع تمييز شكل أمه أو قنينة حليبه وتتبع حركاتهما، وعند الشهر السادس يتمكن من تفريق وجوه اﻷشخاص، إﻻ أن الوليد في هذا السن يكون بعيد البصر، ثم يستمر بصره على النمو والتطور حتى السنة العاشرة من عمره.
4- تطور المناطق السمعية المخية قبل المناطق البصرية المخية, فلقد أثبت العلم اليوم أن المنطقة السمعية المخية تتطور وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصرية, وقد أمكن تسجيل إشارات عصبية سمعية من المنطقة السمعية لقشرة المخ عند تنبيه الجنين بمنبه صوتي في بداية الشهر الجنيني الخامس، وتحفز اﻷصوات التي يسمعها الجنين خﻼل النصف الثاني من حياته الجنينية هذه المنطقة السمعية لتنمو وتتطور وتتكامل عضوياً ووظائفياً، ومن الناحية اﻷخرى ﻻ تنبه المنطقة البصرية للمخ في هذه الفترة بأية منبهات ولذلك فهي ﻻ تتطور كثيراً وﻻ تنضج وﻻ تتكامل، فمن المعلوم فيزيولوجيا أن المنبهات النوعية التي ترد عن أي طريق عصبي حسي تحفزه على النمو والنضوج وبهذه الطريقة يحفز الجهاز العصبي على النضوج منذ الشهر الخامس الجنيني وﻻ يحفز الجهاز البصري بمثل ذلك إﻻ بعد وﻻدته.
ولهذه اﻷسباب يتعلم الطفل المعلومات الصوتية في أوائل حياته قبل تعلمه المعلومات البصرية، ويتعلمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلمه المعلومات المرئية، فهو مثﻼً يفهم الكﻼم الذي يسمعه ويدركه ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ اﻷغاني واﻷناشيد بسرعة ويتمكن من تعلم النطق في وقت مبكر جداً بالنسبة لتعلمه القراءة والكتابة، وكل ذلك ﻷن مناطق دماغه السمعية نضجت قبل مناطقه البصرية.
فيتضح لنا من كل ما تقدم أن التقدم فيما سبق هو تقدم زماني, وخﻼصته ما يلي:
أ- جهاز السمع يتطور جنينياً قبل جهاز البصر ويتكامل وينضج حتى يصل حجمه في الشهر الخامس من حياة الجنين الحجم الطبيعي له عند البالغين بينما ﻻ يتكامل نضوج العينين إﻻ عند السنة العاشرة من العمر.
ب- يبدأ الجنين بسماع اﻷصوات في رحم أمه وهو في الشهر الخامس من حياته الجنينية ولكنه ﻻ يبصر النور والصور إﻻ بعد وﻻدته.
ج- تتطور وتنضج كل المناطق والطرق السمعية العصبية قبل تطور ونضوج مثيﻼتها البصرية بفترة طويلة نسبياً.
5- من خﻼل آيات السمع والبصر نستنتج تقدم العين على اﻷذن, ورأينا في المقابل أن السمع يتقدم على البصر, وهذا يتناسب مع تقدم العين على اﻷذن في رأس اﻹنسان, وكشف العلم الحديث عن حقيقة تتناسب مع تقدم السمع على البصر, وهي أن مركز السمع يتقدم مركز اﻹبصار في مخ اﻹنسان تشريحياً؛ وهنا ظهرت المعجزة العلمية الباهرة فالترتيب المكاني للسمع والبصر في اﻵيات يأتي وفقاً للترتيب المكاني لمراكز السمع والبصر في مخ اﻹنسان.
6- من المعروف فسيولوجياً أن المرء يفقد حس البصر قبل فقدانه حس السمع عند بدء النوم أو التخدير (التبنج) أو عند اﻻحتضار قبيل الموت أو عند هبوط ضغط اﻷوكسجين في الهواء -كما يحصل مثﻼً عند الصعود إلى المناطق الجبلية العليا أو عند الطيران في اﻷجواء العليا- أو عند فقر دم الدماغ -كما يحصل للصائم مثﻼً إن مﻸ معدته بغذاء وفير وبسرعة كبيرة أو عند النهوض السريع والمفاجئ من وضع اﻻستلقاء- ففي كل هذه الحاﻻت ﻻ يفقد حس السمع إﻻ بعد فقدان حس البصر بفترة قصيرة.
7- تأثير السرعة واﻻرتفاع على السمع والبصر: يولد التسارع أو التعجيل الشديد عند الطيارين أو عند رواد الفضاء أثناء الطيران واﻻرتفاع السريع تجاذباً موجباً يؤثر على البصر ويسبب ضباب الرؤية قبل فقدانها تماماً واﻹصابة بالعتمة التامة، وﻻ يفقد الطيار في هذه اﻷحوال حس السمع كله بل يبقى جزء كبير منه لفترة تالية تبقيه باتصال صوتي مع المحطات اﻷرضية.
8- يتمكن اﻹنسان من سماع اﻷصوات التي تصل إلى أذنيه من كل اﻻتجاهات واﻻرتفاعات فيمكننا القول: إن الساحة السمعية هي 360، بينما لو ثبت اﻹنسان رأسه في موضع واحد فلن يتمكن من رؤية اﻷجسام إﻻ في ساحة بصرية محدودة تقارب الـ 180 في المستوى اﻷفقي و 145 في اﻻتجاه العمودي, أما ساحة إبصاره لﻸلوان فهي أقل من ذلك كثيراً، كما أن أشعة الضوء تسير بخط مستقيم دائماً فإذا اعترضها جسم غير شفاف فلن تتمكن من عبوره أو المرور حوله ولكن الموجات الصوتية تسير في كل اﻻتجاهات ويمكنها أن تلف حول الزوايا وعبر اﻷجسام التي تصادفها فهي تنتقل عبر السوائل واﻷجسام بسهولة فيسمعها اﻹنسان حتى عبر الجدران.
9- تأثير إصابة الدماغ على السمع والبصر: من المهم مﻼحظة أن حس السمع لكل أذن يتمثل في جهتي المخ فإذا أصيب أحد نصفي الدماغ بمرض ما فلن يفقد المصاب السمع في أي من أذنيه، أما في حالة البصر فيتمثل كل نصف من نصفي العين الواحدة على جهة المخ المعاكسة لها فإذا ما أصيب الدماغ بمرض في أحد نصفيه فقد المصاب البصر في نصفي عينيه المعاكسين لجهة اﻹصابة.
10- ومن المعلوم أن المولود الذي يولد فاقداً لحس السمع يصبح أبكماً باﻹضافة إلى صممه ولن يتمكن من تعلم النطق والكﻼم, أما الذي يولد فاقداً لحس البصر فإنه يتمكن من تعلم النطق وبسهولة, والسر في ذلك هو أن اﻷطفال عندما يخرجون من بطون أمهاتهم ﻻ يعرفون شيئاً عن الكﻼم بل يتعلمونه في السنوات اﻷولى من أعمارهم عن طريق المحاكاة، فهم يقلدون اﻷصوات التي يسمعونها ممن حولهم وشيئاً فشيئاً يستطيعون النطق ببعض اﻷلفاظ البسيطة أوﻻً، ثم اﻷلفاظ المعقدة بعد ذلك، وهكذا تدريجياً إلى أن يصبحوا قادرين على الكﻼم كغيرهم من بني اﻹنسان.
وهذه العملية ﻻ يمكن حدوثها على اﻹطﻼق ما لم يكونوا قادرين على سماع اﻷصوات التي تتردد حولهم. وبمعنى آخر فإنهم ﻻ يستطيعون الكﻼم ما لم يكونوا متمتعين بحاسة السمع. وهذا هو السبب في أن الطفل الذي يولد وهو مصاب بالصمم يصبح بعد ذلك أبكماً ﻻ يتكلم في مستقبل حياته.
11- عند فقدان حس البصر تقوم المنطقة البصرية المخية بوظائف ارتباطية فترتبط وظيفياً مع المناطق اﻻرتباطية الدماغية اﻷخرى فتزيد من قابلية الدماغ على حفظ المعلومات والذاكرة والذكاء، وﻻ تقوم المناطق السمعية -لسبب غير معروف- بمثل هذا اﻻرتباط عند فقدان حس السمع، ولذلك فقد نبغ الكثيرون ممن فقدوا حس البصر، ولم ينبغ أحد ممن فقد حس السمع إﻻ نادراً مما يدل على أهمية حس السمع والمبالغة في تخصص مناطقه المخية.
12- أما عن كثرة المعلومات البصرية التي ترد الجسم بالنسبة للمعلومات السمعية القليلة نسبياً التي تصل إليه فﻼ بد من أن نعرف أن كثرة المعلومات ﻻ تعني دائماً أنها تولد إدراكاً ومفاهيم أكثر وأعمق في دماغ اﻹنسان مما تولده المعلومات السمعية على قلتها، فالذاكرة السمعية أرسخ من الذاكرة البصرية، والرموز الصوتية تعطي مدلوﻻت ومفاهيم أكثر من الرموز الضوئية، فمن المعلوم مثﻼً أن نطق الكلمة الواحدة بلهجات ونغمات متباينة تنقل للسامع مفاهيم مختلفة، ولو كتبنا الكلمة نفسها بمختلف الصور الخطية لنقلت دائماً لقارئها مفهوماً واحداً ﻻ غير، ومن المعلوم جيداً أن اﻷفﻼم الصامتـة ﻻ توصل من المعلومات إﻻ جزءاً يسيراً مما يمكن أن تنقله اﻷفـﻼم الناطقـة.
13- مما كشفه العلم الحديث أن اﻷذن الداخلية تحتوي -باﻹضافة إلى القوقعة- على جهاز أخر على جانب كبير من اﻷهمية وهو (جهاز التوازن), ويتركب من ثﻼث قنوات هﻼلية الشكل، تمتد متعامدة مع بعضها البعض، وعن طريق هذه القنوات يستطيع اﻹنسان اﻻحتفاظ بتوازن الجسم، ويؤدى حدوث أي اختﻼل في هذا الجهاز إلى إصابة اﻹنسان بالدوار, كما أنه يصبح غير قادر على اﻻحتفاظ بتوازنه عند الوقوف أو المشي مما يجعله يترنح ذات اليمين وذات الشمال كما لو كان سكيراً أو أفرط في الشراب. وقد يحدث في حاﻻت كثيرة - عند ركوب البواخر أو الطائرات أو السيارات لمسافات طويلة وفي طرق غير ممهدة- أن يؤدى اهتزاز الجسم بصورة مستمرة إلى التأثير على جهاز التوازن وينتج عن ذلك ما يعرف بـ (دوار البحر) أو (دوار الطائرات) أو السيارات, مما يدل على أن اﻷذن تقوم بوظيفة التوازن باﻹضافة إلى قيامها بوظيفة السمع فتكون اﻷذن مسئولة عن السمع والتوازن, أما العين فهي مسئولة عن البصر فقط.
توقيع حنونة مكه |
(((ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما))) لاتنسوني من دعواتكم فأنا والله بحاجتها...
|
|