عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2007-06-22, 8:22 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
هذه الحقيقة أيها الإخوة كم وكم ينبغي على كل مسلم أن يتبينها في هذا العصر لسببين اثنين‏‏:‏‏ السبب الأول أن الناس كل الناس لم يتهيؤوا لقبول الدعوة إلى الله‏‏،‏‏ ولم تظمأ نفوسهم لسماع كلمة تحبب الإسلام إلى قلوبهم في عصر من العصور‏‏،‏‏ كهذا العصر الذي يمر فيه الناس‏،‏ في هذا العصر‏‏،‏‏ أياً كان‏‏،‏‏ وفي أي صقع من أصقاع العالم وجدوا‏‏،‏‏ أشبه ما يكون بالأرض التي تطاولت عليها أشعة الشمس المحرقة‏‏،‏‏ ولم يتح لها قطرة ماء ترتوي منه‏‏،‏‏ كم تكون هذه الأرض بحاجة إلى الماء الذي يرويها‏‏؟‏‏ الناس اليوم أياً كانوا‏‏،‏‏ ومن أي فئة من الفئات درجوا‏‏،‏‏ وفي أي صقع وجدوا‏‏،‏‏ كهذه الأرض التي طال بها العهد بُعداً عن الماء‏‏،‏‏ فهم بأمس الحاجة إلى من يُعَرِّفُهم على دين الله‏‏،‏‏ وهم بأمس الحاجة إلى حكيم يُدْخِل محبة الله عز وجل في سويداء قلوبهم‏‏،‏‏ هذا هو السبب الأول‏‏.‏‏

السبب الثاني‏‏:‏‏ أن الدين قد تحول في هذا العصر إلى حرفة‏‏،‏‏ إلى سبيل من سبل العيش‏‏،‏‏ إلى أداة من الأدوات التي يحقق بها الإنسان أحلامه الدنيوية المتنوعة‏‏،‏‏ وما أكثرها إلا من رحم ربك‏‏،‏‏ وقليلٌ ما هم‏‏.‏‏ إذا التفت الإنسان المسلم يمنة ويسرة‏‏،‏‏ وبعث بنظره إلى الأمام البعيد أو إلى ما وراءه‏‏،‏‏ وأخذ يبصر حال المسلمين اليوم‏‏،‏‏ يجد أن الإسلام قد تحول في هذا العصر إلى سلّم قليل الدرجات‏‏،‏‏ سهل البلوغ‏‏،‏‏ والقفز فوق درجاته لبلوغ كل الأماكن المختلفة‏‏،‏‏ فمن شاء أن ينال سمعة وشهرة بين سمع العالم وبصره‏‏،‏‏ فإن أقصر طريق له إلى ذلك أن يستخدم سلم الإسلام‏‏،‏‏ ومن شاء أن يجمع ثروة وأن يبني لنفسه من ورائها مكانة‏‏؛‏‏ فأقصر طريق إلى ذلك إنما هي حرفة الإسلام‏‏،‏‏ ومن شاء أن يبني لنفسه عروشاً سياسية ينال بها مبتغياته السياسية التي يطمح إليها‏‏؛‏‏ فإنه مهما نظر يميناً وشمالاً فلن يجد طريقاً أقصر إلى مبتغاه هذه من طريق الإسلام‏‏،‏‏ وهكذا أصبح الإسلام سلماً تزدحم عليه فئات شتى من الناس في هذا العصر‏‏،‏‏ كلهم يبتغون من وراء ذلك أحلامهم الدنيوية‏‏،‏‏ وهي أحلام متنوعة الألوان‏‏،‏‏ ومتنوعة الأطياف‏‏،‏‏ ولكنها جميعاً أحلام دنيوية‏‏،‏‏ ولو أنك بعثت نظرك إلى الواقع الذي يعاني منه العالم الإسلامي‏‏؛‏‏ لتبينت هذا الذي أقوله لك‏‏.‏‏

نعم هنالك ومضات تلوح كما تلوح البروق في ليلة مظلمة سوداء هنا وهناك‏‏،‏‏ ولاتزال هذه البروق تلتمع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏‏،‏‏ لايزال في الناس أناس مخلصون‏‏،‏‏ أناس متحرقون‏‏،‏‏ أناس يضحون بدنياهم‏‏،‏‏ بسمعتهم‏‏،‏‏ بشهرتهم‏‏،‏‏ بأموالهم في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل‏‏،‏‏ ولكنهم اليوم قلة أيها الإخوة‏‏،‏‏ وإذا كان الداعي إلى الله عز وجل في العصور السالفة ينال الأجر العظيم الذي حدثتكم عن طرف منه‏‏،‏‏ فالذي أعتقده أن الداعي إلى الله اليوم إذا كانت دعوته خالصة من الشوائب‏‏،‏‏ إذا لم يكن يضع نصب عينيه إلا رضى الله عز وجل عنه‏‏،‏‏ فإن أجر الدعوة إلى الله في هذا اليوم‏‏،‏‏ في هذا العصر أضعاف الأجر الذي كان يناله الدعاة إلى الله بالأمس‏‏،‏‏ كانوا يجدون على الحق أعواناً كثيرين‏‏،‏‏ ولكن المسلم الذي يريد أن يخب في طريق الدعوة إلى الله بالنهج الذي أمر الله‏‏،‏‏ بالحكمة التي دعا إليها الله عز وجل‏‏،‏‏ سيجد نفسه يسلك في فجاج غريبة‏‏،‏‏ سيجد نفسه بعيداً بعيداً عن زحمة وأوضاع الناس وفئاتهم ومسالكهم وسبلهم المختلفة‏‏،‏‏ ولن يجد على الحق الذي يدعو إليه الأعوان الذي كان الدعاة من قبل يجدونهم عندما يسلكون سبل الدعوة إلى الله عز وجل‏‏.‏‏

قد يقول قائل‏‏:‏‏ وما أيسر الدعوة اللسانية إلى الله‏‏،‏‏ ففيمَ جعل الله عز وجل عليها هذا الأجر الوفير‏‏؟‏‏ لا‏‏،‏‏ أيها الإخوة‏‏.‏‏ إن الدعوة إلى الله بالنهج الذي ذكرت ليس عملاً يسيراً‏‏،‏‏ بل هو عمل عسير‏‏.‏‏ الداعي الذي لا يريد من دعوته إلا مرضاة الله عز وجل لابد أن يبتليه الله عز وجل بما يكشف عن ثباته أو عن نكوسه عن هذه الدعوة‏‏،‏‏ سيجد من يحطم سمعته‏‏،‏‏ سيجد من يبتز ماله‏‏،‏‏ سيجد من يحطمه من حظوظه الدنيوية‏‏،‏‏ سيجد من يحاول أن يزجه في غربة من مجتمعه الذي هو فيه‏‏.‏‏

الدعوة إلى الله بعد ذلك تتوقف على حكمة متناهية يتجاهل الإنسان من خلالها ذاته‏‏،‏‏ يتجاهل الإنسان من خلالها مكانته‏‏،‏‏ سيجد هذا الداعي من الشخص التائه الفاسق الذي يدعوه إلى الله عز وجل‏‏،‏‏ سيجد منه الإنسان الذي يشتمه‏‏،‏‏ الذي يسبه‏‏،‏‏ الذي يسخر منه‏‏،‏‏ ما موقفك أيها الداعي من ذلك‏‏؟‏‏ إما أن يتحول هذا الإنسان فينتصر لنفسه‏‏،‏‏ ويدوس على منهج الدعوة إلى الله بقدميه‏‏،‏‏ لأن حظه قد هضم‏‏،‏‏ ولأن كيانه قد جرح‏‏،‏‏ وإما أن يدفعه الإخلاص إلى الله أن يتطامن للسباب وللشتائم‏‏،‏‏ ولكل كلمات الانتقاص‏‏،‏‏ وأن يواجه هذا الفاسق بالابتسامة‏‏،‏‏ وبما يدل على الحب‏‏،‏‏ وبما يدل على الرحمة‏‏،‏‏ من ذا الذي يستطيع أن يتجاوز هذا الامتحان‏‏،‏‏ بما يرضي الله عز وجل بسهولة‏‏؟‏‏ الحكمة التي أمر الله عز وجل بها‏‏:‏‏ {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} هل تعلم كم تكلف‏‏؟‏‏ هل تعلم ماهو ثمن ذلك‏‏؟‏‏ ثمن ذلك راحة نفسك‏‏،‏‏ ثمن ذلك هو كيانك الذي تعتز به‏‏،‏‏ لابد أن تضحي به في كثير من الأحيان‏‏.‏‏

أجل لا يقولنَّ قائل إن الدعوة إلى الله عز وجل عمل ينتشي به الإنسان‏‏،‏‏ هل هو إلا خطبة يلقيها‏‏؟‏‏ هل هو إلا مقال يدبجه‏‏؟‏‏ هل هو إلا رحلة من بلد إلى بلد في سبيل مؤتمر وفي سبيل ندوة واجتماع‏‏؟‏‏ لا هذه شعارات دعوة‏‏،‏‏ هذه عناوين‏‏،‏‏ فانظر ما الذي تراه تحت هذه العناوين‏‏،‏‏ وما أكثر الذين ينتشون ولا نشوة السكر تحت هذه العناوين‏‏،‏‏ المؤتمرات‏‏،‏‏ الندوات‏‏،‏‏ الخطب الرنانة‏‏،‏‏ المقالات‏‏،‏‏ كل ذلك تسمعونها أو ترونها‏‏،‏‏ فأين هي النتائج‏‏؟‏‏ ‏‏‏(‏‏‏‏(‏‏أسمع‏ ‏-‏‏ كما يقول المثل العربي‏‏:‏‏ جعجعة ولا أرى طحناً‏‏)‏‏‏‏)‏‏ لماذا‏‏؟‏‏ لأنّنا اتخذنا من منهج الدعوة مطية ذلولاً لرغائبنا‏‏،‏‏ لتجاراتنا المالية‏‏،‏‏ لحظوظنا الدنيوية‏‏،‏‏ لآمالنا السياسية‏‏،‏‏ نعم‏‏،‏‏ هذا هو الواقع المرير‏‏،‏‏ في حين أن الناس اليوم مشرِّقين ومغرِّبين‏‏،‏‏ هم في أشد حالات الظمأ إلى إنسان متحرِّق على دين الله‏‏،‏‏ مخلص لوجه الله‏‏،‏‏ يقف ليعرِّفَهُ على الله عز وجل‏‏،‏‏ ليُدْخِل الإسلامَ قناعةً في عقله‏‏،‏‏ ثم حُباً بين جوانحه‏‏.‏‏ كم وكم الناس اليوم‏‏،‏‏ من أقصى الغرب المعمور إلى أقصى شرقه‏‏،‏‏ كم هم بحاجة إلى هذا‏‏؟‏‏ فأين هم الدعاة إلى الله‏‏؟‏‏ أما العناوين فكثيرة‏‏،‏‏ وأما المظاهر فأكثر‏‏،‏‏ ولكن انظر إلى النتائج‏‏،‏‏ النتائج كلها تعود بالمسلمين إلى الوراء‏‏.‏‏

أسأل الله عز وجل أن يرسِّخَ أولاً حقائق الإسلام بين جوانحنا‏‏،‏‏ ثم أسأله عز وجل أن ينهضنا بدافع من تلمُّسِ مرضاته‏‏،‏‏ من تلمُّس رحمته وكرمه‏‏،‏‏ أن ينهضنا إلى هذه الدعوة التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها‏‏:‏‏ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} هذا كلام الله‏‏:‏‏ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ‏‏[‏‏فصلت‏‏:‏‏ 41‏‏/‏‏33‏‏]‏‏ العمل الصالح جعله الله واسطة العقد بين شرطين‏‏:‏‏ شرط يأتي قبله‏‏،‏‏ والآخر يأتي بعده العمل الصالح‏‏،‏‏ العمل الصالح قد ذكرت لكم طرفاً منه‏‏،‏‏ العمل الصالح لا يكون إلا بأن أدوس على حظوظي النفسية‏‏،‏‏ ورغائبي المالية‏‏،‏‏ وأن أمزق آمال شهرتي‏‏،‏‏ وأن أمزق كل النتائج الدنيوية التي أتصورها من وراء عمل الدعوة‏‏،‏‏ أجعل ذلك كله تحت قدمي‏‏،‏‏ وأجعل هدفي الأعلى وتاجي لا أكثر ألقاً البحث عن مرضاة الله سبحانه وتعالى‏‏،‏‏ الأكثر من ذلك‏‏.‏‏

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم‏‏.‏‏