عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2007-06-06, 6:55 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
ما فــــــــائــــــــــدة الكلام في الفطرة من الناحية الدعوية ؟

لهذا الكلام فوائد في الناحية الدعوية :

ـ منها أن الإسلام بمفهومه العام ، الذي هو الاستسلام لله عز وجل ، وإتباع المرسلين والعمل ليوم الدين قوة مركوزة في قلب كل إنسان . تحتاج فقط من يحركها . بتعريفها على ربها وما أعده للصالحين من عباده من ثواب ، وما توعد به العاصين من عباده من عقاب .

ـ ومنها أنْ ليس عند كافرٍ يقين مما هو عليه . بل عناد واستكبار . فالمعتقد الخطأ لا يمكن أن يكون يقينا ، بل الذي يجعله شبه يقين هو ما تهوى الأنفس . من حب رياسة أو عرض من عرض الدنيا .

ـ ومنها ـ وهو ما كتبتُ لأجله ـ فساد دعوى احترام رأي ( الآخر ) من الكافرين والمنافقين ، وخاصة المنظرين منهم لباطلهم ، فكما رأينا ليس عندهم إلا الظنون ، هذا إن لم يبحثوا ، وإن بحثوا واستمعوا لخطاب الشرع فلا بد أن ستتولد قناعة عندهم بصواب ما يُدْعَوْنَ إليه وباطل ما هم عليه ، إلا أن موانعا تتدخل وتحول بينهم وبين إتباع الدين الصحيح . ولذا نجد في كتاب الله تعالى مثل { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } [ آل عمران:70 ]
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ آل عمران:71 ]
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ آل عمران:99]
فهم مقرون شاهدون ، يعرفون ، ومع ذلك يبغونها عوجا ويصدون عن سبيل الله من آمن .
ونصارى نجران ـ وفيهم نزلت هذه الآيات من سورة آل عمران جادلوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واشتدوا في جداله حتى قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ " لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْن أَهْل نَجْرَان حِجَابًا فَلَا أَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنِي [14]" وهم كانوا يعرفون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعرفون أنه نبي ، ويتكلمون بذلك فيما بينهم ومع ذلك كانوا يجادلون أشد الجدال وكأنهم أصحاب حق .
ومثل ذلك كثير في السيرة النبوية ، وقد عقد لها بن كثير بابا كاملا في كتابه البداية والنهاية جمع من اعترافاتهم الشيء الكثير . لمن شاء المزيد ـ
وأعني بفساد إحترام رأي الآخر هنا أن لا نعتقد أنه على شيء ، أو أن يقينا رسخ في قلبه فراح يدعو إليه مخلصا يرجو الله والدار الآخرة . وإنما كلهم كذبة يظنون ظنا . أما منازلته وسماع حجته والرد عليها فهذا لا بد منه ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينه .

ومنها أن معرفة هذا الأمر . . أن ما في صدورهم ظنون لا حقائق يعطي لمن يحاورهم جرأة عليهم ، فهي قلوب خاوية ليس فيها يقين ، وشاكّة تبحث عن الحقيقة ، أو تخفيها . وكم حدثنا من أسلموا عن حالهم وهم كفار ، كيف كان شكهم وحيرتهم ، وصدق الله العظيم . { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } [ الشورى: من الآية 14]

والسؤال الآن : كيف تتحول الحقائق إلى أوهام وظنون ؟ أو كيف تتحول الأكاذيب والظنون ( الأديان المحرفة والمذاهب الباطلة ) إلى شبه حقائق في صدور أصحابها والدعاة إليها ؟ أو كيف لا تُنشئ المعرفة بالله واليوم الآخر أثرا في القلب يظهر على الجوارح ؟

وأطرحُ هذا السؤال كتعليل لهذه النفسية التي تبقى على ما لا تستيقن منه ، وتتكلم بالظنون والأوهام . ما السبب في هذه الحالة ؟ كيف تستقر على هذا الأمر ؟

وتدبر معي :
يقول الله تعالى مخبرا عن حال المكذبين المعرضين في الدنيا : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ }[ المؤمنون : 63]
ويخبر سبحانه وتعالى عن حالهم يوم القيامة حين يرون العذاب فيقول ـ جل شأنه ـ : ({وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ }[ الأنبياء : 97].
ويقول الله تعالى مخاطبا المكذبين يوم القيامة {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }[ ق : 22 ]

التعبير بـ ( من ) بدل ( عن ) والتي يقتضيها المعنى المتبادر للذهن في الآيات الثلاث له دلالة ، وكأن ذكر الآخرة وما يتبع ذلك من أوامر ونواهي ـ على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا كان سببا في غفلة الغافلين وإعراض المعرضين المكذبين .
وهذا ما فهمه الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ إذ يقول معلقا على آية ( ق ) : {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }[ ق : 22 ] : ( أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام, توبيخا, ولوما وتعنيفا. أي: لقد كنت مكذبا بهذا, تاركا للعمل له فالآن كشفنا " عَنْكَ غِطَاءَكَ " الذي غطى قلبك, فكثر نومك, واستمر إعراضك ) انتهى كلامه رحمه الله .
وقريب من هذا قول الله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }[ البقرة: من الآية 213 ] وقول الله تعالى :{ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } [ آل عمران : من الآية 19] .{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }الشورى: من الآية 14 ]
{وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }[ الجاثية : 17 ] .

فالآيات تتكلم أن هناك نفوسا تتبع الهوى وتضل حين يتضح لها الحق ، وذلك بغيا وحسدا .
يعرض على القلب ما نع فيمنع المعرفة بالله واليوم الآخر أن تنشأ أثرا في القلب ( رغبة ورهبة ) أو ( رجاء وخشية ) .
قضية البعث والثواب والعقاب من الأمور المسلم بها عقلا قبل أن يكون شرعا ، وصدق الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ قامت كل البراهين عليه . ولكن ليس كل من يعرف يتبع ، وليس كل من يصدق يلتزم بما يُصدق به ، بل تأتي العوارض من حب جاه ورياسة أو طلب شهوة بدنية أو نفسية فتمسك المعرفة .
وهاك بعض الصور لحال الناس بعد عرض الخبر عليهم .
هناك من يَكْذِبْ على نفسه أحيانا فيدعي أنه مُكذِّبٌ لم ير حقا كي يصدقه ، وغالب هذا النوع هم المعرضون المنشغلون بأموالهم ونسائهم . فيكون قد سمع طرفا ، فيرى أن الوحي سيأخذ من أمواله ومن أمْنه ، وقد يضيق عليه في لذَّاته المحرمة ، فينصرف عن الدّاعي إلى شهواته ، ويتخذ من التكذيب ذريعة لعدم الإتباع . وقد يستغبي إن ألح عليه الداعي وجادله فكسر جداله كقوم شعيب عليه السلام { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ } [ هود: من الآية 91 ] . وإن كان لا يفهم خطابك فماذا ستفعل معه ؟
اللهم أن تغير الخطاب . أو تنصرف وتتركه .!!

وهناك من يعْنِد فيتكلم بأن مذهب المخالف هو الحق ويعلن العصيان بل ويحاربه ، وهذا حال الملأ أرباب السلطان وأشباههم من المجرمين أرباب الأقلام ، الذين ينظرون لباطلهم . ولا تقصر الصورة على قريش وحدها أو يهود أو نصارى نجران ، هي نفسية تتكرر في كل زمان ومكان .

وبعضهم من يكون ضعيفا كَبُرَ العبيد في حسِّه فمشى ورائهم خوفا من سلطانهم أو طلبا لما في أيديهم .
وهناك من يكون مصدقا محبا لم ترقَ محبته لفصم أواصر الجاهلية . كأبي طالب ، وكالنفر من يهود الذين جاءوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقروا له بأنه نبي الله ، ولكن لم يتبعوه مخافة قومهم . هؤلاء الخوف من قومهم أكبر في صدورهم من الخوف من عذاب الله . وكالنفر الذين أسلموا ولم يهاجروا ثم خرجوا يوم بدر في صفوف الكافرين وهم ( مؤمنين ) [15] ، ومن هاجروا ثم انقلبوا إلى مكة [16].
وهناك المنافقون ، يصدقون ، ويبغضون ، وظاهرا يتبعون ، وإن وجدوا عدوا غازيا ينقلبون ويحاربون . وهي نفوس مريضة تخشى الدوائر وتطلب السلامة في أبدانها وأموالها ولذا تتبع من غلب ، وتصل حبال المودة مع كل من غلب .
والمقصود أن هذه الحالات جميعها لا تتبع ما تصدقه، تنقلب شهواتهم على ما في قلوبهم حتى تكاد تطمسه ، تتركه صغيرا منزويا يتقلب من حين إلى حين ، وتبقى الشخصية كما وصفها خالقها ( في شك منه مريب ) ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) .