تحليل الشرائح الثلاث :
الشريحةُ الأولى تتكلم بأقوى أدوات الحصر ( النفي والاستثناء )[1] بأن هؤلاء ليس عندهم إلا الظن في قلوبهم ، وأحاديثهم أحاديث ظنٍ وإن ألبسوها ثوبَ اليقين .
فنحن أمام حقيقة شرعية لا صوارف لها ـ وسيأتي مزيد بيان من دِلالِة السياق الفعلي إن شاء الله وقدر ـ أن هؤلاء لا يتبعون حقا . . . ليسوا على قناعة مما يقولونه بل هم يخرصون . . . يظنون .
والخَرَصُ هو التكلم عن ظنٍ كاذبٍ وحُسبان باطل وليس عن يقين صادق ، والخرَّاصون هم الكذَّابون المرتابون[2] أهل الظنون [3] الكاذبة والحسبان الباطل ، ( الذين يتقولون الباطل على الله ظنا بغير يقينِ علم ولا برهان واضح )[4] ( علومهم ليس فيها تحقيق, ولا إيصال لسواء الطريق. بل غايتهم أنهم يتبعون الظن, الذي لا يغني من الحق شيئا ويتخرصون في القول على الله, ما لا يعلمون [5](
هكذا وصف خالقهم ما في قلوبهم ، ظنون ليس إلا .
وفي الشريحة الثانية :
إبراهيم عليه السلام ينادي قومه { أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } [ الأنعام : من الآية 80 ]
. يتذكرون ما ذا . السياق يقتضي أفلا تعلمون ؟
أليس كذلك ؟!
وكأنَّ ما يدعوهم إليه معلوم عندهم ، ولكنهم نسوه بل تناسوه .
وفي معرض ذكر الفائدة من قصة موسى عليه السلام يخبر ربنا ـ جلَّ وعلى ـ بأن ذلك { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }[ القصص:46 ] . وأنهم جاءهم البيان مدعوما بحال من صدَّقوا من قبل وحال من كذبوا لعلهم يتذكرون : {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }[ القصص :51 ]
ونوح عليه السلام ينادي قومه {وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }[ هود : 30 ]
وآل فرعون {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }[ الأعراف : 130]
وكأن هناك شيئا مطموسا ، ( مردوماً ) عليه يذكرهم به النبي ، فهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يأتيهم بجديد ـ من حيث الجملة ـ وإنما فقط النبي مُذَكِر ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ) [ الغاشية:21] .
وفي الشريحة الثالثة :
بيان أن كفر من كفر[6] ــ وخاصة الملأ[7] ـ لا يكون جهلا بل عنادا واستكبارا . فهذا فرعون . لم يتكلم يوما بأن موسى ـ عليه السلام ـ نبيا ولا أنه ليس بإله ، ومع ذلك يقرر القرآن : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }[ النمل : 14]
فهنا جملتان ، خبرية ... وتعليلية ، ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) لماذا ؟ ( ظلما وعلوا ) أي ليس جهلا أو تكذيبا .
وقول الله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ البقرة : 89 ـ 90 ]
هنا جملتان أيضا ، خبرية تقريرية { بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ } والثانية تعليلية لهذه الجملة الخبرية { بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }
( يقول بئسما اعتاضوا لأنفسهم فرضوا به وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تصديقه وَمُوَازَرَته ونصرته وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية " أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " ) [8]
فكُفْرُ يهود لم يكن لجهلهم ولا لتكذيبهم . وإنما { بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }
وكذا حبر يهود ( بلعام ) الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاويين ، ضلَّ بعدما عرف آيات الله .
فواضحٌ جدا من هذه الشرائح الثلاث أن أهل الباطل ــ عامتهم ومَن تولى كبره منهم ــ ليسوا على يقين من أمرهم ، وإنما يخرصون ، هناك شيء مطموس في قلوبهم يوارونه عن الناس ويغالبونه لشهوةِ جاه ـ كما الملأ ، أو حقدٍ كما يهود ، أو انشغال بأمور الرزق كما العامة في كل زمان ومكان .
هناك شيء مطموس تذكر به آيات الله المقروءة والمرئية . هذا الشيء هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، هو الإسلام بمفهومه العام ، هو ما أودعه الله في النفوس بأن هذه الحياة ليست سدى وإنما ورائها ثواب وعقاب .
وهذا يقتضي الوقوف قليلا لبيان معنى الفطرة . فيما يختص بالإسلام .
الفطرة
بداية الإنسان هي النطفة الأمشاج[9] { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } [ الإنسان : 2] التي تتكون من الحيوان المنوي والبويضة بعد التخصيب ، هذه النطفة الأمشاج ـ بعد نفخ الروح فيها[10] ـ تحمل كل صفات الرجل النفسية والبدنية . هذا الطفل المولود تكون فيه جميع الصفات مركوزة بداخلة تظهر حين ينضج شيئا فشيئا ، ففي البداية تظهر الحاجة للطعام والشراب ، ومحبة من يداعب وبغض من يعبس ويكفهر ، ثم يأتي حب اللعب ، وعند البلوغ يأتي الميل للجنس الآخر دون أن يُعلمه أحد ، أين كانت محبة النساء أو الرجال ؟ هل تعلمها ؟
لا . إنها فطرة مركوزة بداخله .
وكذا الإسلام بمعناه العام ، فطرة مركوزة بداخل الإنسان بحيث لو ترك بدون عوارض فإنه يتعرف على ربه أو يستجيب من فوره حين يسمع داعية . ويدل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وغيرِهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ )
ثم يقول أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )
ونقل شارح سنن الترمذي الإجماع على أن معنى الفطرة هنا هو الإسلام ، قال : [ . وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ : " إِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ " . قَالَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } الْإِسْلَامُ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ : " إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ " الْحَدِيثَ . وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ فَزَادَ فِيهِ : حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ , فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ ].
ويزيد الأمر بيانا ما جاء عند مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذات يوم في خُطبته (( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ))[11]
وجاء في شرح النووي للحديث ( قوله تعالى : ( وَإِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ ) أَيْ : مُسْلِمِينَ , وَقِيلَ : طَاهِرِينَ مِنْ الْمَعَاصِي , وَقِيلَ : مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْهِدَايَة ) ، (وقد رواه غيره فزاد فيه " حنفاء مسلمين " )[12]
فالفطرة هي الإسلام ، هذا ما فهمه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم من النصوص الصريحة ، هي قوة مركوزة في الإنسان تماما كقوة الشهوة ، وحب ما ينفع والسعي في تحصيله وبغض ما يضر والسعي في دفعه . هي قوة تجعل المرء حين يسمع بالإسلام ، وكأنه سمع به من قبل ، وكأن داعيه يذكره بشيء عنده ، ولذا جاءت النصوص تخاطب مَنْ لم يخاطبوا بالشرع من قبل تقول لهم ( أفلا تذكرون ) ( لعلهم يتذكرون ) .
هي قوة لا تمحيها تربية الآباء لأبناءهم على الكفر بربهم ، فتظل هناك في القلب تورث حسكة وتجعل العلم ( بالباطل ) ظنا ، وحديث صاحبه ظنا كاذبا وحُسبانا باطلا .
ولعل هذا يفسر لك ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )[13]
فمجرد السماع كاف ، نعم كاف تماما لأن يقبل صاحبه على الداعي ينظر ما عنده ، لماذا لأنه يلقى الفطرة المركوزة في جوف كل ولد آدم منذ خلقهم ربهم ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (لأعراف:172)