أهم النظريات التي تحدثت عن أسباب النوم :
نظرية النوم الكيماوية :
يتم في أثناء اليقظة العديد من النشاطات الجسمية ، فهناك . . غدد تفرز و عضلات تتحرك و قلب يخفق ! فكر يعمل ، عين تبصر ، بول يفرز ! أمعاء تتقلص و طعام يهضم ! .. و هكذا ..
و عشرات الوظائف الحيوية الفيزيولوجية تعمل !
و مئات بل آلاف من العمليات الكيمائية تتم !.
و كأي عمليات كيميائية ، فلابد من نواتج عنها ، أو " فضلات " و " شوائب " يلزم طرحها و التخلص منها من أجل استمرارية هذه العمليات .
فالجسم أثناء نشاطه هذا ، النشاط العضلي و النشاط العصبي ، في حالة اليقظة ، ومن خلال العمليات الكيماوية الحيوية ! و علميات الاستقلاب ( الأيض Metabolisim ) و احتراق الطاقات المختلفة ، ومن خلال هذه السلسلة من النشاطات و الفعاليات ، فإنه يتشكل فيه العديد من " الفضلات " و "السموم " !
هذه " الفضلات أو " المواد السامة " أو " المستقبلات الناهية " و تسمى أيضاً " سموم منومة " أو " مواد متعبة " ، تزداد تدريجباً في الدم ، و في السائل الدماغي الشوكي ، لاسيما لدى من يجبر على البقاء في حالة يقظة مدة طويلة ، و تتركز عند الدماغ و الجهاز العصبي ، لاسيما حذاء " التشكلات الشبكية " ، بمقدار يكبح نشاطهما .. فيشعر الإنسان بالخمول و النعاس ! .. ثم تزداد حتى تؤدي إلى " إنسمام " الدماغ ! فيحدث النوم .
و أثناء النوم ، و هدوئه و سكونه ، و هموده و خموده !.. يتخلص الجسم من هذه النواتج الضارة عن طريق انحلالها ،وتأكسدها ، فيستعيد الجهاز العصبي نشاطه ، و عندها يستيقظ الإنسان
و لكن ما هي هذه : المستقبلات الناهية " أو " السموم المنومة " !؟
إن متشينكوف ، تلميذ باستور ، يوضح لنا بعضاً منها ، حسب معارفه و علومه ! فيقول : " ارتأى ، بعض من درس هذا الموضوع ، أن عمل الأعضاء يولد مواد سماها " بوتوجين " تجلب الشعور بالنوم . و قال أنها تتجمع باليقظة ، و تنحل بالنوم بواسطة التأكسد .
و أن " حامض اللبن " أهمها عملاً ، استناداً إلى أن هذا الحامض يساعد على النوم .
و قام عالمان فرنسيان هما هنري بيرون و ليجدر و ذلك في عالم 1913 فقاما بالحلول بين عدد من الكلاب والنوم لفترة من النوم لفترة طويلة نسبياً ، بحيث يبدوا أنها قد أشرفت على الإجهاد و الإعياء ، و عند ذلك يعمدون إلى مصول دمائها فيأخذونها و يحقنون بها في أوردة كلاب أخرى ، قد أيقظت لتوها ، بعد أن نامت نوماً جيداً ، فبدت في حالة قوية ، نشطة ، و في حالة يقظة تامة ، فيجدون أن تلك الكلاب تستسلم فوراً للنوم عقب هذا الحقن !
و أعادوا التجارب بأشكال أخرى ....
فبعد أن حرموا كلاباً من النوم لمدة عشرة أيام متتالية ، متتابعة ، أخذوا منها " السائل الدماغي الشوكي " ثم حقنوا هذا السائل المأخوذ ، في البطينات الدماغية ( التجاويف المخية ) لكلاب أخرى في حالة نشطة ، و في حالة يقظة تامة ، بعد أن نامت نوماً مريحاً فوجدوا أيضاً نفس النتيجة السابقة ، حيث استسلمت هذه الكلاب للنوم ، عقب ذلك الحقن فوراً .
ونتيجة لهذه التجارب ، قرر العالمان الفرنسان ، أن النوم ، إنما يحصل بفعل نشوء " توكسينات النوم " أو " التوكسينات المخدرة " ، أي " المواد المنومة " و التي تتجمع في الدم و في السائل الدماغي الشوكي ، و تؤدي إلى " إنسمام " الدماغ؟ .. و بالتالي إلى النوم .
و من جهة أخرى ، نرى أن العالم الفسيولوجي السويسري " إدوارد كلاباريد " يقول بنفس الرأي .
و قام باحث أمريكي ، يعمل أستاذاً لعلم وظائف الأعضاء ( الفسيولوجيا ) في جامعة هارفرد الأمريكي ، هو الدكتور " جون بنهايمر " ، و معه من العلماء المساعدين هم : " مانفرد كارفسكي " ، و " جيمس كروجر" يجرون أبحاثاً علمية واسعة النطاق من أدل عزل " مادة النـوم الطبيعيـة " أو تلك " السموم " التي تحـدث عنهـا " بيرون "..
و عوضاً عن " كلاب بيرون المرهقة " فإنهم اتخذوا " الماعز " وسيلة للتجريب .
و حرموها من النوم لمدة يومين ، و من السائل الدماغي الشوكي لها ، أخذوا كما فعل بيرون بكلابه ، مقادير صغيرة ، ثم حقنوا هذه المقادير في أدمغة بعض الأرانب و الفئران ، فنامت على الفور .
و عندما أعيدت التجربة ، باستخدام مقادير من " السائل الدماغي الشوكي " لماعز أنفق ليله في النوم ، لم تكن لتلك المقادير ، أي تأثير على الأرانب و الفئران . فاستخلصوا من تلك التجارب أن " السائل الدماغي الشوكي " يحتوي على مادة تؤدي إلى النوم ، أطلقوا عليها اسم " عامل النوم " و اختصار العامل س .
إلى هنا و " التجربة الأمريكية لا تختلف عن " التجربة الفرنسية .. سوى في الأسماء .
و لكن الأمريكيين ، تابعوا المسيرة .. يريدون أن يعرفوا ، ما هي هذه المادة بالضبط .
و ما هو تركيبها . و ما هي مقاديرها .
و قضوا أربع سنوات و هم يجمعون السائل الدماغي الشوكي من الماعز المرهق المحروم من النوم ... و في نهاية السنوات الأربع ، لم يتجمع لديهم سوى جالون و نيف ، بالمقياس الأمريكي ، من السائل الدماغي الشوكي .. و هي كمية لا تكفي للتحليل و البحث و التنقيب .
فانصرفوا عن " الماعز " إلى الأرانب .. و استمروا يجمعون تلك المادة ، من مخاخ " الأرانب " حتى وصوا إلى " 15 ألف أرنب .. و لكنهم فوجئوا بأن تلك الكمية ، قليلة أيضاً و لا تسمح بتحليلها كثيراً و لا قليلاً .
و عندها تحولوا إلى " الإنسان " و بالتحديد إلى " بوله " لجمع المادة المطلوبة .. و بلغت الكمية التي استطاعوا عزلها من كمية " ألف جالون أمريكي من البول 30 ميكروغرم فقط ( أي يلزم 126مليون ليتر من البول [أي حوالي126ألف طن ] لنحصل على غرام واحد فقط من هذه المادة ).
و على الرغم من ضآلة هذه الكمية .. إلا أنها كانت كافية لتحليلها ، و تحديد بنيتها الكيماوية .
و هنا تفوق : الأمريكان على الفرنسيين .. إلا أنه كان تفوق التقدم العلمي و المسيرة العلمية ، السائرة أبداً نحو الأمام .
و هكذا و مع مطلع عام 1982 و بعد أكثر من عقدين من الزمن ، من تجارب متكررة .. أكد فريق هارفرد ، و على رأسهم " جون ينهايمر كما ذكر أن " مادة النوم الطبيعية " قوامها أربعة أحماض و هي :
Muramic Acide ، Diaminopimeli Acide ،Alanine ، Glutamin Acide
و المادتين الأخيرتين ، معروفتان بوجودهما في البكتيريا ، أما وجودهما في جسم الإنسان ، فلم يكن معروفاً قبل ذلك :
و عندما جربوا حقن " مادة النوم الطبيعية " هذه في الأرانب ،وجدوا أنها تضاعف مدة النوم التي تحتاجها هذه الأرانب ضعفين إلا ربعاً ! أي ( 1.75) .. فلو كانت مدة النوم هي 40% من ساعات اليوم ، لأصبحت 70% من تلك الساعات ، نتيجة لتناول مادة النوم هذه .. و ذلك دون التعرض للآثار الجانبية التي تحدثها مواد النوم الكيماوية ! حيث أنها تختلف عن " الحبوب المنومة" ، و ذلك على حد قول بنهايمر ، فهي لا تجبر حيوانات التجارب ، الأرانب هنا ، على النوم " فتأثير المادة لا يحدث إلا إذا كانت الحيوانات ، تشعر بالأمان و تمر بظروف عادية ، عند ذلك فإن الحيوانات تنام بشكل طبيعي بعد حقنها بهذه المادة "!