عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2007-05-15, 9:31 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي عندما ينتحر الحماس !
عندما ينتحر الحماس !



عبداللطيف بن هاجس الغامدي


الحمد لله ، عـزَّ فحَكَم ، وقَدَرَ فرَحِم ، وقَهَر فحَلُم ، وتعالى فعَلِم ، والصلاة والسلام على رسول الله ، بذَّ فعزَّ ، وقال فأوجز ، وعمل فأنجز ، وأبدع فأعجز ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، علِم فستر ، ورحم فغفر ، وقدَّر فيسَّر ، وغلب فقهر ، وأمات فأقبر ، وإذا شاء أنشر ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بشَّر وأنذر ، ورغَّب وحذَّر ، وبلَّغ وأخبر ، أما بعد :
عندما ينتحر الحماس !
عندما تنطفئُ جَذوةُ الاهتمام بدين الإسلام ، ويخبو وهجُ الحُرقة لدين الله ، ويُقصَى العملُ للدين عن حياة المستقيمين ، ويصبح الإيمانُ آخرَ الاهتمامات وأوَّلَ المُهمَلات ، عند ذلك لا تسل عن دناءَتنا ، ودنوِّ ذلَّتنا ، فلن تَرَ عينُك إلاَّ زمر المتساقطين على الطريق ، المتخلفين عن قافلة النجاة ، المنبوذين عن سفينة السلامة ، ولن تسمع أذنُك إلاَّ بأخبار المنتكسين ، المولين الدُّبر ، المنقلبين على القفا ، الخالدين إلى الأرض !
قال تعالى : [ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ]
وهذا دين قويم ، لا يقومُ على أكتاف الخائرين ، ولن يقوى عليه ضعفُ المنخذلين ، ولن يتحملَ تبعاتِهِ خَوَرُ المنهزمين
فالأُسود لا تأكل البايت ، والصقورُ لا تقع على الجيفِ ، والكرامُ لا يرضونَ بغير المكارم .
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم
" أولُ قدمٍ في الطريق : بذلُ الرُّوحِ .. هذه الجادَّةُ ، فأين السالكُ ؟ "
" طريق تعِبَ فيه آدم ، وناحَ لأجله نوحٌ ، ورُمِي في النار الخليل ، وأُضجِعَ للذَّبحِ إسماعيلُ ، وبِيعَ يوسفُ بثمنٍ بخس ، ولبث في السجن بضع سنين ، وذهَبتْ من البكاءِ عينُ يعقوبَ ، ونُشِرَ بالمنشار زكريا ، وذُبِحَ الحصورُ يحيى ، وضَنِيَ بالبلاء أيوبُ ، وزاد على المقدار بكاءُ داود ، وتنغص في الملك عيشُ سليمان ، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد ـ صلى الله عليه وسلم .
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا
" اجتمع عبد الله بن عمر ، وعروة ، ومصعب ، وعبد الله بنو الزبير بالحِجْرِ ، فقال لهم مصعب : تمنَّوا . فقالوا : ابدأ أنت . فقال : ولاية العراق ، وتزوُّج سُكينة ابنة الحسين ، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله . فنال ذلك ، وأصدق كل واحدة خمسمائة ألف درهم ، وجهَّزها بمثلها .
وتمنى عروة بن الزبير الفقه ، وأن يُحمل عنه الحديثُ ، فنال ذلك .
وتمنى عبد الله الخلافة ، فنالها .
وتمنى عبد الله بن عمر المغفرة ، فنالوا ما تمنَّوا ، ولعلَّ ابن عمر قد غُفرَ له .
فنعم العبدُ ؛ عبدُ الله !
وإذا النفوس كُنَّ كباراً *** تعبت في مرادها الأجسامُ
قال أحمدُ بن داودَ الواسطيُّ : دخلتُ على أحمدَ الحبسَ قبلَ الضربِ ، فقلتُ له في بعض كلامي : يا أبا عبدِ الله ؛ عليكَ عِيالٌ ، ولك صبيانٌ ، وأنت معذورٌ ـ كأني أسهل عليه الإجابة ـ فقال لي : إن كان هذا عقلُكَ يا أبا سعيدٍ فقد استرحتَ .
خذوا كل دنياكم واتركوا *** فؤاديَ حرًّا وحيدًا غريبًا
فإني أَعْظَمُكُم دولةً *** وإن خلتموني طريداً سليباً
قال إبراهيمُ الحربي عن أحمد بن حنبل : لقد صحبتُه عشرين سنة ، صيفاً وشتاء ، حرًّا وبرداً ، ليلاً ونهاراً ، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس .
قال أنسُ بن عياض : رأيت صفوان بن سُلَيْم ، ولو قيل له : غداً القيامة . ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو قيل لحماد بن سلمة : إنك تموت غداً . ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً .
وقال بكير بن عامر : كان لو قيل لعبد الرحمن بن أبي نعم قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل .
وقال سفيان الثوري : لو رأيت منصور بن المعتمر ، لقلت : يموت الساعة .

حِملٌ ثقيل !

عندما ينتحر الحماس ؛ لا يذوقُ طعمَ الطاعةِ ، ولا حلاوةَ العبادةِ ، فهو يشعرُ بِثقَلِها عليه ، فيؤديها ولم يذقْ أجملَ ما فيها ، لِيُسْقِطَ عنه تبعاتها ، وكأنما هي حِمْلٌ ثقيلٌ أُزيح عن كاهله ..
فلا يزال يتأخر ، ويتقهقر ، حتى يُكبّ على وجهه في النار ، كالشجرة الوارفة الظلال ، تُسقط أوراقها يوماً بعد يوم ، حتى تيبس وتصير عوداً يابساً لا ماء فيه ولا رواء لا يصلُح إلاَّ لشيء واحد .. أن يصبح وقوداً للنار !
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" لا يزالُ قومٌ يتأخَّرونَ عن الصَّفِّ الأول حتى يُؤخِّرَهُمُ اللهُ في النار "
وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" لا يزالُ قومٌ يتأخرونَ حتى يُؤخِّرَهُمُ اللهُ "
وقال سعيد بن المسيِّبِ : ما فاتتني الصلاةُ في جماعةٍ منذُ أربعينَ سنةٍ ، وما نظرتُ في قفا رجلٍ في الصلاة منذ خمسين سنةٍ ، وما أذَّنَ المؤذِّنُ منذ ثلاثينَ سنةٍ إلاَّ وأنا في المسجدِ !
قال وكيع : كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى ، واختلفتُ إليه أكثر من ستين سنة ، فما رأيته يقضي ركعة .
وقال أسيد بن جعفر : ما رأيت عمي بشرِ بن منصور فاتته التكبيرة الأولى قط .
وروي عن أبي عبد الله محمد بن خفيف أنه كان به وجعُ الخاصِرة ، فكان إذا أصابه أقعَدَهُ عن الحركة ، فكان إذا نُودي بالصَّلاة يُحملُ على ظهر رجل ، فقيل له : لو خفَّفتَ على نفسِكَ ؟! قال : إذا سمعتُم حَيَّ على الصَّلاة ولَم تَروني في الصف فاطلبوني في المقبرة .
وقال سليمان بن حمزة المقدسي ـ وقد قارب التسعين سنة : لم أصلِّ الفريضة قط منفرداً إلا مرتين ، وكأني لم أصلهما قط .
أخي تذكر معي : كم مرة صليت هذا الأسبوع صلاة فريضة منفرداً ؟!