(5)
وتذكرتُ
ضعفاً وحاجة ً وفاقة ً تحيط ُ بكَ أيّها الإنسانُ
فحاجتُكَ لن يقضيها لكَ إلا الله ,وفاقتكَ لن يسُدها
إلا عبوديتكَ وانطراحُكَ بينَ يديهِ مداوماً طرقَ الأبوابِ
وضعُفكَ لن ينقلبَ قوة ًحتى تأوي إلى ركنٍ شديدٍ
فتسألهُ حولاً وقوةً..تقطعُ بها الطريقَ الطويل..
"ياعبادي كلكم ضال ٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم
ياعبادي كُلكُم جائع ٌ إلا من أطعمتُهُ, فاستطعموني أُطعِمُكُم
ياعبادي كُلكُم عارٍ إلا من كَسوتُهُ فاستكسوني أكسِكُم "
وتذكرتُ
كم أنتَ مسكينٌ أيّها الإنسان ُحين َتغفلُ عن فقرٍ قد شهدَ به ِمولاكَ
"ياأيُّها النّاسُ أنتمُ الفقراءُ إلى اللهِ والله ُهو الغني ُّالحميد"وكم أنتَ مسكينٌ أيُّها الإنسانُ حينَ تستجدي أنفُساً لاتملكُ لأنفُسِها
نفعاً ولاضراً
"واعلمْ أنّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوك َبشيءٍ لم ينفعوك َإلا ّبشيء ٍقد كتبهُ الله ُلكَ ,وإن ْاجتمعوا على أنْ يضروك َبشيءٍ لم يضروكَ إلاّ بشيء ٍقد كتبهُ الله ُعليكَ"
وكم أنتَ مسكينٌ أيّها الإنسانُ تركنُ إلى قوة ٍأو علمٍ أو عمل ٍأو فَهم ٍ
فتتكلُ على السببِ فيفرُّ منكَ قلبكَ..
فلا القوةُ تغنيك َإنْ لم يأذن ِاللهِ
ولاعلمُكَ ينفعُكَ ويرفعُكَ إن ْلم يأذنِ اللهِ
ولاعملٌ ينفعُك إن ْلم يرفعُهُ اللهُ
ولافَهمٌ ينفعُك وينجيكَ إنْ لم يتفضّلِ اللهُ عليكَ
وتذكرتُ..
أنّنا باللهِ نكونُ وبغيرهِ نشقىَ ونفتقر
فيا أكُفاً رُفعتْ لغيرهِ
وياألسُناً لهِجتْ بغيرِ الثناء ِعليهِ
وياأقلاماً كتبتْ لغيرِ مقصدهِ
وياقلوباً تقلّبت أعيُنها في غيرِ مابيدهِ
هلاّ تذكرتُم..
أن كلّ هذا هباءٌ في هباءٍ..
"ياعبادي إنّكم تُخطئونَ بالليل ِوالنّهار وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً
فاستغفروني أغفرْ لكُم"
(6)

وتذكرتُ..
طلاقةَ لسان ٍ وقوةَ بيان ٍ ومقارعةَ حُجة ٍ
كيف تخذُلك َ أحوجَ ماتكون َ إليها إن ْلم تكُنْ لله ِ
وكيف تتفّلتُ منكَ فلا تُحسِنُ لها قِياداً ولامُصانعةً
حينَ يفرُّ عنكَ كلّ من كان َمعكَ تستكثِر ُبهِ من دُونِ الله ِ
وتذكرتُ..
لحظة ِ نَزع ٍ أقوالاً تتفلّت,وستوراً تنكشفْ
وحقائقَ تتجلّى إن لم تكنْ لهُم فلكَ..
فلاتَ حين َمندم ..
وتذكرتُ..
أنّ عملكَ لكَ
وقولكَ لكَ
وكسبُكَ لكَ
وبيتكَ أنت تبنيه لكَ لالغيركَ
فليَحُسنَ العمل
وليَصدِقَ القول
ولتُحسِنُ الكسب
ولتعمّر داراً لن يقطُنها غيُركَ..
(7)
وتذكرتُ..
طيشاً وغرواراً وأشراً وبطراًوظهوراً..وعلواً
وتذكرتُ ..
اغتراراً بقوةٍ
وإعجاباً برأيٍ
وزهواً بمُلكٍ
وتفاخرَ وتكاثرَ في مال ٍ وولد ٍ ودور ٍ وقصور..
وتذكرتُ ..
فقراً أحاط َبي ,لمّا حَملوني على أكتافِهُمُ
فإلى أينَ يانفسُ يُصارُ بي..
وتذكرتُ..
سيرهُم بي في طريق ٍلم أسلكهُ
وبيت ٍ لم أعرفهُ
وخطب ٍ لم أعدُّ لهُ
وظلمة لم أألفُها
وتذكرتُ..
أيّ طريق ٍ قد ذُهبَ بي إليهِ
وأيّ مصير ٍ أصيرُ إليهِ
وأيّ وزرٍ يثقُلني
وأيّ نجاةٍ أرجّيها وأؤملها
إنْ لمْ يرحمُني
وتذكرتُ
فراقُ الصّاحبْ
وديونُ المُطالبْ
وعثرةُ لسان ٍ
وتفلّتُ بيان ٍ
ووحشة َ مرقدٍ
وفزعَ السؤالِ
وضعف الحالِ
وتذكرتُ..
أنّ في الأمر ِلا مُهلة ٍ لمُسترجع ٍ
فياعينُ فلتدمعي
ويانفسُ فلتفزعي
ويا صاحِ فلترعوي
فالسفرُ قد بعُد..والزادُ قد قلّ..والأجلُ قد حلّ..
(8)
وتذكرتُ..
القدومَ على الله ِكيفَ يكون ُ,فتقنّعتُ برداءِ ِحياء ٍ
فما حالُ مفلس ٍ إذا عرضَ البضاعةَ على من دلّهُ على"ياأيّها الذينَ ءامنوا هل أدلُكُم على تِجارةٍ تُنجيكُم مِن عذاب ٍ أليم"وماحالُ مُفرّطٍ إذا ضيّع ماجمَع ,وربما لم يجمعْ في الحقيقةِ
فكان َحالهُ كحالِ"أتدرونَ مَنِ المُفلس"؟!
وتذكرتُ..
تطايرَ الصحُفِ
ونشرَ الكتبِ
وكشفَ الستورِ
ونصبَ الموازينِ
فنظرت ُ في كفَّي عامل ٍ فلم أرْ أثرَ عمل ٍ
ونظرتُ في ليلهِ ونهارهِ فلم أرْ اجتهادَ طالبٍ للآخرة ِ
ونظرتُ في حالهِ فلم أرْ فِرارَ خائف ٍمن هلاكِ مفازة ٍ
ونظرتُ في بضاعتهِ فلم أرْ إلا بضاعةً مزجاة ٍ أعجبت ْ صاحبها فغرّتهُ عن استزادة ٍ
وتذكرتُ..
ضعفاً وخوراً
وعجزاً وكسلاً
فيا ويَحَ نفسٍ من قدوم ِمفلسٍ على الله..أيُّ قدوم ٍ سيكون !
وياويحَ آمن ٍ من مخاوفَ وعقبات ٍ وأهوال ٍ وشدائد
وتذكرتُ
قدومَ المشتاق ِ على حبيبهِ كيفَ يكونُ!
وقدومَ الخائفِ المقصّرِ كيفَ يكونُ!
فعلا صوتٌ يطرقُ باب َالسماءِ:
ياأما نَ الخائفينَ ارحمني
وياملاذَ القاصدينَ الطُف بي..