عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2007-05-05, 12:36 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
وفي القرآن تمر بنا قصص كل هؤلاء، كأنها تصف ما نراه ونسمعه حذو القذة بالقذة:

- فأما الغني المختال، الذي فقد كل ماله، فمثاله في القرآن صاحب الجنتين، في سورة الكهف، الذي لم ينتفع من موعظة أخيه المؤمن، الذي قال له:

{أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا}..

فكان عاقبته: {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا}.

- وأما البلد إذا جاع وخاف، فمثاله ما جاء في سورة النحل: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون *ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون}.

- وأما الرجل إذا ارتد بعد إيمانه، فمثاله ما جاء في سورة الأعراف: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}.

- وأما الأمة المسلمة تعدو عليها الأمة الكافرة فمثاله ما جاء في سورة الإسراء: {وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا}.

فهل ما يحصل من ذلك التقلب في حال العباد، والأمم، في دينهم، ودنياهم، مما اكتسبته أيديهم، أم محض القدر والمكتوب، كتب عليهم في اللوح أن يكونوا كذلك؟..

الجواب: بل هو ما اكتسبته أيديهم.. وما من مثال إلا وفيه سبب تقلب الحال:

- فالغني ما ذهب ماله وافتقر إلا بذنبه: أعطاه الرزق ليشكر، ويخضع، فكفر وتكبر.

- والأمة جاعت وخافت لما كفرت بأنعم الله، وكذبت الرسل.

- والرجل ارتد لما انسلخ من آيات الله، فرضي لنفسه ذلك، وأحب أن يكون مع الكافرين.

- والأمة ذلت لعدوها، لما فسدت، ونكصت، وعصت أمر ربها، فلم تطبق شريعته.
--------------------------------------------------------------------------------

لقد وعد الله عباده المتقين بسعة في الرزق، وأمن في العيش، فقال تعالى: - {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}.

- {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.

كذلك توعدهم إذا بدلوا أو غيروا أن يبدل عليهم النعمة والأمن، فقال: - {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا بما بأنفسهم وأن الله سميع عليم}. - {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

ثم إن الله من رحمته لا يؤاخذ بالذنب إلا بعد النذر، والإمهال:
- {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.

فلا عذر لإنسان أو لأمة في زيغ أو ضلالة، فليس شيء أحب الله من العذر، وهو أرحم الراحمين، فإذا حقت كلمة العذاب على قوم: جاءهم فجأة، وبتعبير القرآن بغتة، حتى لا يدع لهم فرصة للمراجعة، أو الإنابة، أو طلب لإقالة العثرة.. فإن العذاب لا يأتي إلا بعد استنفاذ كل مراتب وأبواب العذر: - {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون* حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون}.
--------------------------------------------------------------------------------

إن الإصلاح قبل اتساع الخرق أسهل من معالجة الثوب الممزق..

فالخطأ في بدايته يمكن تداركه وإصلاحه، والعلاج حينئذ ينفع، لكنه يعسر، بل يستحيل إذا استفحل.

وكم من قوم سألوا الإمهال بعد الإذن بالهلاك فما نفعهم، وقد كان ينفعهم لو تعجلوا به قبل ذلك:

- {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين* فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون* لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون* قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين* فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين}.

- {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون}.

وتقلب الأمور والأحوال، من الإيمان إلى الكفر، ومن الرخاء إلى الشدة، تحدث في لحظة.. وصفت في القرآن بأنها بغتة.. هذه البغتة لم تأت إلا بعد أعراض وأمراض.

نعم هي بغتة، من حيث إن الغافل لم يشعر بها إلا حين وقوعها، وكان يستعبدها، ولا يتوقع حدوثها.. فجاءت خلاف ما كان يظن، فتبهته فلا يستطيع ردها..

أما المتيقظ فهو يشعر بقربها، بعلاماتها، وعلاماتها: الجرأة على الذنوب، وإعلانها، والاستخفاف بالموعظة؛ لكنه لا يدري متى تأتي تلك اللحظة، فهو يتوقعها دون أن يقدر على تحديد ساعتها..

فتقلب الحال خطر يخوف أصحاب القلوب السليمة المتيقظة، التي تعرف سنن الله تعالى في المجاهرين المستخفين بالحرمات، لذا يكثرون من قول:

- (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك).

- (يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على طاعتك).

والحافظ من التقلب وتبدل الحال: تقوى الله تعالى، وسؤاله العون في كل وقت..ولذا كان قوله:

- (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

كنز من كنوز الجنة، أي يورث الإنسان دخول الجنة، فمعناه:

لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك، إلا بعون الله تعالى العلي العظيم.

فإذا تبرأ الإنسان من حوله وقوته، واستند إلى قوة الله تعالى وعونه، واتقاه في أموره، فالله تعالى كريم، لن يخذله أبدا، ولن يبدل حاله بعد الخير شرا..

وكذا الأمة إذا تبرأت من حولها وقوتها، واستعصمت بالقوي الجبار، وسألته العون، واتقته في أمورها كلها، فالله تعالى كريم لن يسلط عليها عدوا، ولن يسلط عليها فقرا وجوعا.. قال تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون* وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين* وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}.

أبو سارة