فكانت هذه الغشية التي كانت تأتيه من اثر ماراي وسمع من خبيب بن عدي رضي الله عنهما كانت تربطه بالآخرة التي كتبها الله جل وعلا لخبيب ولم يؤثر سعيد بن عامر يوما الدنيا علي الآخرة من شدة ما كان يعاني منها حتى ذكر ابن الجوزي حالته هذه .. وهي واحدة من بين شكاوي أهل حمص:"...0 قال عمر:وماذا؟ قالوا:يغنظ الغنظة بين الأيام أي تأخذه موتة"".. والغنظة:الأمر الصعب.. والغنظ:الكرب"( القاموس المحيط للفيروز أبادي/964)
وهكذا كانت المحنة التي عاشها سعيد بن عامر خلال تلك الساعات التي تمت فيها عملية الثار الظالمة من خبيب بن عدي رضي الله عنه قد سمت بروحه إلي نور الإسلام وعدله ونقائه وبعد ه عن الانتقام والظلم بين بني الإنسان وأصبحت هذه المحنة طريقا لهدايته إلي الإسلام العظيم فكانت منحة منحها الله إياه ليخرجه من الظلمات إلي النور بإذن ربه جل وعلا ويجعل الله جل وعلا منه ذلك النسيج المتفرد في نقائه وطهره وعفته وعفافه .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ..
وكما قلنا لقد اختار سعيد عامر الآخرة ولم يتعلق بدنيا فانية ولم يكن ليسمع كلام امرأته عندما أرادت منه توفير بعض المال لحاجات البيت .. ولنستمع لذلك الحوار الذي دار بينه وبين امرأته يوم..
فقالت له امرأته:رحمك الله لو كنت حبست شيئا نستعين به ..فقال لها:
إني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:
لوا طلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلي أهل الأرض لملأت ريح مسك وإني والله ما كنت اختارك عليهن... فسكتت !!!!!!
نعود مرة أخري لإجابة الصحابي سعيد بن عامر لعمر رضي الله عنهما قال:شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ورأيت قريشا تقطع جسده وهي تقول:أتحب أن يكون محمدا مكانك ؟؟ فيقول:
والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي وان محمدا تشوكه شوكة!!!!!!
وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي وأصابتني تلك الغشية ...
عند ذلك قال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني به
ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها علي حاجته فلما رأتها زوجته قالت له:
الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك ...إشتري لنامؤونة واستأجر لنا خادما
فقال لها:وهل لك فيما هو خير من ذلك؟؟؟
قالت: وما ذاك؟ قال:ندفعها إلي من يأتينا بها ونحن أحوج ما نكون إليها!!
قالت:وما ذاك؟ قال : نقرضها الله قرضا حسن.. قالت:نعم ..وجزيت خير.. فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر وقال لواحد من أهله .. انطلق بها إلي أرملة فلان .. وإلي أيتام فلان .. وإلي مساكين آل فلان.. وإلي معوذي آل فلان..!!!!
رضي الله عن سعيد بن عامر يوم ولد ويوم اسلم لله رب العالين ويوم لقي ربه نقيا طاهرا له عند الله الكثير مما قدمت يداه وليس عليه شيء يدينه يوم يبعث الله الناس لميقات يوم معلوم فقد كان من الذين يؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ..
كلمات مضيئات" كان سعيد بن عامر كثيرا ما يردد هذه الكلمات المضيئات:
" ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول بعد أن سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:
يجمع الله عز وجل الناس للحساب فيجيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمائم .. فيقال لهم:
قفوا للحساب.. فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه.. فيقول الله تعالي:صدق عبادي .. فيدخلون الجنة قبل الناس""
أي حظ من الهداية ناله هذا الطراز من الخلق؟؟؟
وأي معلم كان رسول الله صلي الله عليه وسلم؟؟
وأي نور نافذ كان كتاب الله؟؟؟
واي مدرسة ملهمة ومعلمة كان الإسلام؟
ولكن هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عددا كبيرا من هذا الطراز؟
إنه لو حدث هذا .. لما بقيت ارض.. إنها تصير فردوسا!!!!!
اجل .. تصير كالفردوس الموعود !!!!
ولما كان الفردوس لم يأت زمانه بعد.. فإن الذين يمرون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل قليلون دائما .. ونادرون..
وسعيد بن عامر واحد منهم ..!!!
الزاهد التقي .. يلقي ربه
وفي العام العشرين من الهجرة لقي سعيد بن عامر ربه كانقي ما يكون النقاء.. وانقي ما يكون صفحة .. وانقي ما يكون قلبا .. وانقي ما يكون سيرة وسريرة .. لقد طال شوقه إلي الرعيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده وتتبع خطاه .. اجل لقد طال شوقه إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم معلمه ..إلي رفاقه الأوابين المتطهرين.. واليوم يلقاهم قرير العين مطمئن النفس .. خفيف الظهر ليس معه ولا وراءه ..من أحمال ومتاعها مايثقل ظهره وكاهله .. ليس معه إلا ورعه وزهده وتقواه وعظمة نفسه وسلوكه.. وفضائل تثقل الميزان ولكنها لا تثقل الظهر ومزايا هز بها صاحبها الدنيا ولم يهزها غرورا ..اجل إنه ثمرة من ثمار الثبات علي الحق .. وكيف لا وقد اختاره الخليفة عن قناعة ورضي يوم ولاه حمص .. حمص المتمردة فقادها سعيد قيادة سلسة وكبح جماح عنفها فاستسلمت له وهي طائعة وراضية ..
وقالوا عن سعيد بن عامر:
الصحابي العابد التقي سعيد بن عامر ليس رجلا عاديا لكنه كان نسيجا وحده وكان متفردا بمزايا لم تتوفر في الكثير من إقرانه لذلك كان اختيار عمر رضي الله عنه اختيارا صحيحا يتفق مع فراسة عمر رضي الله عنه في معرفة ا لرجال ولم يخدع عمر طوال عهد خلافته بأحد ممن ولاهم علي مصر من الأمصار .. وكان سعيد بن عامر واحد من هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. ولذلك قالوا عنه:
الحمد لله الذي لم يخيب فراستي فيك-أي في سعيد-"عمر بن الخطاب رضي الله عنه"
قال محمد بن الوليد ألبسري:سمعت يحيي بن القطان يقول:سعيد بن عامر شيخ العصر منذ أربعين سنة..
وقل ابوداود السجستاني:إني لأغبط جيران سعيد بن عامر..
وقال يحيي بن معين:حدثنا سعيد بن عامر الثقة المامون..
وقال احمد بن حنبل: ما رأيت أفضل منه ومن حسين الجعفي..
وقال ابو حاتم الرازي:كان سعيد بن عامر رجلا صالحا صدوق..
وفاته رضي الله عنه:
في العام العشرين من الهجرة لقي سعيد بن عامر ربه.. نقيا طاهر..
سلام علي سعيد بن عامر.. سلام عليه في محياه واخراه.. وسلام ثم سلام علي سيرته وذكراه .. وسلام علي الكرام البررة أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. وصلي اللهم وبارك علي عبدك ورسولك محمد صلي الله عليه وسلم
وكتبه : الفقير إلي عفو ربه الكريم المنان
الشيخ: راشد بن عبد المعطي بن محفوظ