عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2007-03-28, 2:09 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
في ظلال القرآن
ولذا أجابت قومها بالقول ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون*وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون)
لما رأت من كلام أولي الأمر من قومها حرصهم على الحرب، مع يقينها بأن سليمان قد بلغ من قوة جيشه وتنوع أسلحته أن الطير جندا من جنوده، فكيف تغامر بجيشها وتراهن بقوته في معركة غير متكافئة .
لذا - وهنا النقطة المهمة- قدمت لما تريد بمقدمة تهدف من ورائها إلى إدخال الخوف والفزع في قلوب قومها من وطأة الحرب ونهايتها الأليمة وذلك بقولها(إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزةأهلها أذلة وكذلك يفعلون) ، ثم انتهت إلى ما عزمت عليه من قبل وهو إرسال الهدية إلى سليمان عليه السلام ،(وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) ولقد عمدت إلى ذلك لتستميل فؤاده وتخطب وداده .
4- ولعل آخر مشهد من مشاهد هذه الملكة القوية بذكائها هو قولها لسليمان لما جاءته وسُئلت عن العرش (فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) فأجابت بعد تأمل وتدبر إجابة تدل على ذكائها وفطنتها وسرعة بديهتها (قالت كأنه هو) ولم تقل هو لاحتمال أن يكون مثله لاعينه فاتت بكلمة (كأن) التي تدل على غلبة الظن لجواز أن يكون عرشها مع قيام الشك في أن يكون عرشا غير عرشها ، قال الإمام الطبرسي (فلم تثبته ولم تنكره، وقد دل ذلك على كمال عقلها حيث لم تقل :لا ؛ إذ كان يشبه سريرها لأنها وجدت فيه ما تعرفه، ولم تقل : نعم ؛ إذ وجدت فيه ما غير وبدل ولأنها خلفته في بيتها وحمله في تلك المدة غير داخل في قدرة البشر ، قال عكرمة : كانت حكيمة خافت أن تقول :هوهو فتكذب، وإن قالت :لا، تخشى أن تكذب ، فقالت (كأنه هو) شبهته به فقيل لها : فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب) مجمع البيان جــ7ص350(بتصرف).

حتى إن مطابقة الجواب للسؤال يدل على بلاغتها وفطنتها ، فإذا كان العرش قد نكِّر والسؤال قد صيغ بأسلوب محير، فإن جوابها أيضا لم يكن قاطعا ، فتُرِك المخاطب في حيرة، فهي لم تثبت ولم تنف، وفي ذلك ما يدل على رجحان فكرها واتساع أفقها وبلاغة تعبيرها.
و إن العلة في التغيير لكي يلتبس الأمر عليها ويعرف مدى ذكائها وفطنتها وسرعة بديهتها (ننظر أتهتدي أم تكون من الذي لا يهتدون) لذلك لما عاينت جلالة ما آتاه الله انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم وأسلمت وقالت:( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) .
هذه القصة أطلنا فيها بعض الشيء لكن أردنا من خلالها أن نقول إن هذا الأنموذج الذي ضرب الله فيه المثل لهو دليل على أن القوة وإن كانت عادة تصرف إلى معنى القوة الجسدية لكن هي في العقل أقوى وأهم بكثير وما مثل بلقيس ببعيد .
وإذا رجعنا إلى الحياة الزوجية فإننا نقول إن الصراع القائم بين الرجل والمرأة سببه الفهم الخاطئ لمعنى القوة فلو قسمت الأدوار بين الرجل والمرأة على قاعدة قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إ ن الله كان بكل شيء عليما) فإن هذا الإشكال سيزول ولو ربي أبناؤنا وبناتنا منذ الصغر على مفهوم أن الرجل قوي في نصيبه والمرأة كذلك قوية في نصيبها، كما قال الله تعالى فلن نقع في إشكالية من الأقوى وهذه الصراعات الدائرة في بيوتاتنا والتي تهدمها على رؤوس أصحابها فتجعل العائلة كلها ضعيفة بسبب العقد التي نشأت عليها وربت عليها أبناءها .
ألم يحمي الله نبيه موسى بحضن امرأة استطاعت أن تحصل على استثناء من قرار الدولة بعدم قتل هذا الطفل، واستمالت قلب أعظم طاغية في التاريخ، فرعون مصر بعاطفتها. وذلك بقولها (وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) ؟!. فهنا أليست العاطفة في هذه المرأة أقوى من عضلات آلاف الرجال ، الجواب بلا شك نعم .إذا المرأة قوية فيما فضلها الله به على الرجال ، كما أن الرجل قوي فيما فضله الله به على النساء.ومن أجل هذا فإن الأمور التي هي من اختصاص النساء كان الصحابة يحتكمون فيها إلى قولهن. فعن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس عنده فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة . فقال ابن عباس آخر الأجلين . قلت أنا :( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي (يعني أبا سلمة). فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها فقالت : قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت فأنكها رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري ومسلم
فلتتفكر المرأة المسلمة بهذا، ولتذكر أن امرأة واحدة استطاعت أن تجمع العلم على تنوعه وصعوبته، يسألونها عن عويص العلم ومشكله فتجيبهم جوابا مشبعا بروح التروي والتحقيق مما لايتسنى إلا لمن بلغ في العلم مقاما عليا، وقد قالوا - أي الصحابة- ما أشكل علينا أصحاب محمد أمر قط فسألنا عنه أمنا عائشة إلا وجدنا عندها علما ....قال عروة بن الزبير : (ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة . وقال أيضا ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة )... إن عائشة كانت وحيدة بعصرها في ثلاثة علوم علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر . عمر رضا كحالة : أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام جـــ3ص104(بتصرف)
قال ابن سعد :( وقيل كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلىأن ماتت يرحمها الله ) الطبقات الكبرى جـــ2ص374
وأخيرا إن كان من كلمة فعلينا أن ننشر ثقافة ما للمرأة من فضل على الرجال حتى لا يتمنوا الذكورة وأن نصحح مفاهيم الرجال أن القوة الجسدية ليست كل شيء .
براء زهير العبيدي