عظمة رحمته وجوده وعفوه:
الله أرحم الراحمين، يعرض رحمته جلّ في علاه على عباده، ويحذرهم من القنوط منها: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل وينادي: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه.
غفر سبحانه لامرأة بغي من بني إسرائيل لما سقت كلباً يلهث من شدة العطش، وغفر لمن تاب بعدما قتل مائة نفس بغير حق لما علم صدق توجهه، وشكر لرجل وغفر لأنه أزاح غصن شجرة عن طريق الناس، وهو الذي قال وأثبت عن نفسه: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ".
وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يقول: اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك، فإن رحمتك أهل أن تبلغني، ورحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء فتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.
ولما خلق الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش "إن رحمتي تغلب غضبي".
روي أن أحد العابدين العارفين حدثت منه بعض الذنوب، فخرج هائماً على وجهه مهموماً حزيناً فرأى في أحد الطرق باباً قد فُتِح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكراً، فلم يجد مأوى غير البيت الذي أُخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مغلقاً، فتوسد عتبة الباب ووضع خدّه عليها ونام، فخرجت أمّه، فلما رأته على تلك الحال، لم تملك أن رمت نفسها عليه، وإلتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلتُ عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت.
قارن هذا الحدث ورحمة الأم تلك بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لله أرحم بعباد من الوالدة بولدها"، وما هو الظن عمن هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها؟ ما هو الظن إذا فرّ العبد إليه؟ وألقى نفسه طريحاً ببابه، يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكياً بين يديه، يقول: يا رب يا رب، ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك، وسائلك ومؤملك ومرجيك، لا ملجأ له ولا منجا له منك إلا إليك، أنت معاذه وبك ملاذه.
يا من ألوذ به فيما أؤمله *** ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره *** ولا يهيضون عظماً أنت جابره
عظمته في إجابة الدعاء:
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ".
الله أكبر إذا سألك الناس عن ربهم وخالقهم ومليكهم، فأخبرهم أنه قريب سميع مجيب، من دعاه لباه، ومن سأله أعطاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن ركن إليه قوّاه، ومن اعتزّ به قرّبه واجتباه، عرفه الأعرابي في فلاته، والسجين في زنزانته، والمبيتلى في بليته، والمكروب في كربته، والفقير في مسألته، والجائع في جوعته، والمظلوم في مظلمته، كل هؤلاء وغيرهم رفعوا إليه أكف الضراعة فإذا بالمجيب يسمع ويرى، ويأتي بالجواب "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ".
يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم *** يا كاشف الضر والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا *** وأنت عينك يا قيوم لم تنم
هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي *** يا من إليه أشار الخلق في الحرم
إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف *** فمن يجود على العاصين بالكرم
هذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنّى أبا معلق، وكان تاجراً يتّجر بماله، ويضرب به الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له ضع ما معك فإني قاتلك،قال: ما تريد من دمي؟! شأنك بالمال، قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذ أبيت فذرني أصلّ أربع ركعات، قال: صلّ ما بدا لك، فتوضأ ثم صلّى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعّالاً لما تريد، أسألك بعزّك الذي لا يرام، وعلمك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تقيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني.. يا مغيث أغثني.. يا مغيث أغثني.. فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر باللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم! فقلت: من أنت بأبي أنت وأمي؟ قد أغاثني الله بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل الضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله، فسبحانه ما أعظمه، ملاذ السائلين، وملجأ القاصدين، ومجيب دعوة المضطرين.
إخوتي يا رعاكم الله، هذا هو الله أهل العظمة والكبرياء، هذا هو الله له الحمد والذكر والشكر والثناء، هذا هو الله تصمد إليه المخلوقات والأكوان والأرجاء.
هذا هو الله تفرد بالبقاء، هذا هو الله آياته ودلالات عظمته مبثوثة في مناحي الأرض وطبقات السماء وذرات الهواء، هذا هو الله عظمة الصالحون والأولياء، فضجوا إليه بالبكاء، ومدوا إليه الأيادي بالرحمة والدعاء.
ووالله وتالله وبالله إني أعترف بالعجز أمامكم، وكيف لي أن أتكلم عن العظيم..
تاه لبي وذاب قلبي لربي *** فهو حبي وسلوتي في حياتي
أنت أهل الثناء والمجد فامنن *** بجميل من الثناء المواتي
ما ثنائي عليك إلا امتنان *** ومثال للأنعم الفائضات
حبنا وامتداحنا ليس إلا *** ومضة منك يا عظيم الهبات
لو برينا الأشجار أقلام شكرٍ *** بمداد من دجلة والفرات
لو نقشنا ثناءنا من دمانا *** أو بذلنا أرواحنا الغاليات
ما أبنّا عن همسة من معان *** في حنايا نفوسنا ماكنات
أو أتينا لذرة من جلال *** أو شكرنا آلائك الغامرات
أي شيء يقوله الشعر لما *** يتغنى بخالق الكائنات