صمدية الله:
"قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ"
الله صمد تقصده الملوك إذا اضطربت الأمور، ووقع المحذور، وضاقت بالحوادث الصدور.
الله صمد ترتفع إليه أكف الضارعين تطلبه الغيث إذا تأخر نزوله، وتسأله الرزق إذا أبطأ حلوله، وترجوه رفع الضر إذا خيّم بظلاله، ومن للمبتلي إذا اشتدت بليته وأدلهمت كربته، وانعقدت غمته، من له غير الصمد يصمد إليه، من له غير الصمد يشكو إليه، من له غير الصمد يفضي إليه، من للمريض على فراشه إذا بارت الحيل، وانقطعت السبل، وضعف الأمل، وعم القلب الوجل، وقال الطبيب لا مفر قد حان الأجل، من له عندها إلا العظيم الصمد، صمد إليه وبكى بين يديه، وألح عليه، فإذا بالصمد يشافيه، ومن المرض يعافيه، وصدق وربي صدق يوم أن قال: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ".
الله صمد يصمد إليه الفقير إذا أوصدت أمامه الأبواب، وأسدل دون حاجته الحجاب، وألصق بطنه بالتراب، فيأتي الفرج من الصمد، ويأتي المخرج من الصمد، فيكتب غناه بقلم القدر، ويغنيه عن كل البشر، "وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
صمد تصمد البرايا إليه *** وأنيس الضمائر الموحشات
خالق رازق سميع مجيب *** ويداه تفيض بالأعطيات
عظمته في خلق الموت:
الموت مخلوق عجيب، شجاع يتسلق الجدران، ويصعد الحيطان، لا يُحتمى منه بقلاع، ولا يُمتنع منه بحصون، "أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"، زائر لا يستأذن، وليس له وقت معلوم، يدلف في السحر، ويقدم في الظهيرة، لا يرجئ الجائع حتى يشبع، ولا الظامئ حتى يروى، ولا النائم حتى يستيقظ، ولا المسافر حتى يقيم، "فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" يصيّر الأفراح أتراحاً، والأنس حزناً، إذا اجتمع الوالد بولده وأنست الأم بأبنائها وطاب اللقاء وحصل الوصال إذا بالموت يدخل فجاءة! فيأخذ الأب، ويلتقم الأم، ويحمل الابن ليضعه في حفرة الموت، يأخذ الطفل وفمه في ثدي أمه، تصيح الأم، ينوح الأب، فلا يقف ولا يرجع، يحوز المرء المال فيفرح بتجارته، ويعدد ماله، ظن أن ماله أخلده، فإذا بالموت يضع خده على التراب، وينثر دنانيره، ويمزق أكياسه. إذا استوى الشاب على سوقه، وصلب عوده، وقوي متنه، واهتزت كتفاه، وترنح عطفاه، طرحه الموت أرضاً، هذا هو الموت لا يستحي، ولا من أحد يرعوي، "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"، احتمى الملوك بالجنود فنجو إلا من الموت، "حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ"، يموت الكل إلا واحد، ويذهب الجميع إلا واحد، نعم، إنه الواحد الأحد أوجد الفناء، ليرث أهل الأرض والسماء، ولا يخلق الموت إلا عظيم ولا عظيم حق إلا العظيم سبحانه، "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".