وإذا أردنا أن نضع بين يدي القارىء الآيات التي تتكلم عن الحوار لكثرت ولذا كان وضع مجالاتها المتنوعة على شكل عناوين موفٍ بالمقصود :
1-الحوار الإنساني بين:
أ- إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في شأن الذبح
ب- موسى والخضر عليهما السلام ورحلة طلب العلم
2-الحوار الدعوي بين الرسل وأقوامهم:
أ-نوح وقومه
ب-إبراهيم وقومه
ت- شعيب و قومه
ث-هود وقومه
ج- صالح وقومه
ح- لوط وقومه
خ-موسى وفوعون
3-الحوار بين الله والأنبياء.
4-الحوار بين الله والإنسان بواسطة الملائكة.
5-الحوار بين الله والإنسان بواسطة الرسل.
6-الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب.
7-الحوار بين أهل الجنة وأهل النار.
8-الحوار بين الإنسان والمخلوقات الأخرى. ( الهدهد والنمل مثلا)
هذا بالإضافة إلى تقسيمات أخرى ممكن أن نقسمها على الشكل التالي:
1-الحوار شكله السري: ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)
(فتنازعوا أمرهم وأسروا النجوى)
(يتخافتون بينهم إن لبستم إلا عشرا) والآيات في هذا كثير
2-الحوار شكله العلني:( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه..............)
( ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا) وكذلك الآيات في هذا أكثر من سابقتها .
3-الحوار : ضرورته ( قل فلله الحجة البالغة)
4-الحوار : قطعه ( فبهت الذي كفر)
5-الحوار : قواعده
أ-الأدب ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )
ب- إظهار الحق ( ويكفرون بما ورآءه وهو الحق )
ت- البعد عن التناقض ( أفتؤمنون ببعض وتكفرون ببعض)
ث- البعد عن المكابرة ( وكذبوا واتبعوا أهواءهم)
ج- الصدق ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين)
ح- طلب الدليل ( قل هاتوا برهانكم )
خ-العلم ( ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
وأخيرا هناك الحوار المذموم ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا)
هذه العناوين والآيات ذكرت على سبيل المثل لا الحصر وإلا فالقرآن مليء بالتقسيمات والتفريعات في مجال الحوار ، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على الأهمية القصوى التي يوليها القرآن الكريم في موضوع الحوار، فالرسل والأنبياء والمسلمون هم سادة ودعاة الحوار مع الأعداء قبل الأصدقاء .
ثانيا : الحوار في السنة النبوية
إن من خاطبه الله بقوله :( وجادلهم بالتي هي أحسن ) كان خير من لبى هذا النداء وأتقن هذه الوصية صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما روى ابن هشام في سيرته جـ1ص313 أن عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان والنسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل يا أبا الوليد أسمع ) فقال له عتبة ما قال حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أوقد فرغت يا أبا الوليد ؟) قال : نعم، قال :( فاسمع مني ) ، قال : أفعل
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليه من سورة فصلت ، حتى إذا انتهى إلى الآية موضع السجدة منها – وهي الآية 37- ، سجد ، ثم قال لعتبة : قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك .
فقام عتبة إلى أصاحبه فقال بعضهم : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به ، وطلب عتبة منهم أن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم وشأنه ، فأبوا وقالوا له : سحرك يا أبا الوليد بلسانه .
في هذه القصة النبوية أكثر من درس يحسن الوقوف عنده، فالرسول الكريم قد أحسن الاستماع لعتبة، وأعطاه الفرصة لقول ما يشاء، بل أكثر من ذلك أعطى محدثه الفرصة ليقول من جديد دون أن يعاجله، فلما سأله ليتأكد من فراغه مما لديه، بدأ التلاوة، وهذا قمة الأدب في الحوار وهو من الذوق الرفيع الذي تتفتح النفس للتلقي منه و تهتدي به القلوب العمي والآذان الصم - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت تلك المقدمة الفاتحة والمدخل النير لما جاء بعدها، وذلك من تلاوة آيات الذكر الحكيم، تنتهي بسجدة، سجدها صلى الله عليه وسلم ثم قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك (أي ما تختار) .
إن هذا النموذج الراقي في الحوار هو الذي جعل من عتبة مستمعا جيدا، ولذلك لاغرابة أن قال له قومه بعد إذ عاد إليهم : سحرك يا أبا الوليد.
نموذج آخر أخرجه الإمام أحمد في مسنده(256-257،جــ5) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : ( إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
يا رسول الله ائذن لي بالزنا .
فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه.... مه!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ادن .
فدنا منه قريبا .
قال: فجلس .
قال : أتحبه لأمك؟
قال: لا والله ، جعلني الله فداك.
قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.
قال: أفتحبه لابنتك؟
قال: لا والله يا رسول الله ، جعلني الله فداك.
قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم .
قال : أتحبه لأختك ؟
قال : لا والله ، جعلني الله فداك .
قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم.
قال : أفتحبه لعمتك ؟
قال: لا والله ، جعلني الله فداك.
قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم .
قال : أفتحبه لخالتك؟
قال: لا والله ، جعلني الله فداك .
قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم.
قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه وحصن فرجه، فلم يكن الفتى – بعد ذلك – يلتفت إلى شيء ).
ما أرقى هذا الحوار ..... وكيف قاده إلى الاقتناع والرجوع عن الخطأ، إنه أسلوب الحوار النبوي الهادىء القائم على التعقل والمنطق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسلوب تخلله إثارة للفطرة السليمة وإيقاظ لإيمان الروح والمشاعر.
تصوروا لو ترك هذا الفتى الشاب – كما وصف- المتوقد بالحيوية لزجر والقوم وتوبيخهم ، أما كانت الفاحشة فعلت فعلها في نفسه؟!، لكن حوار هادىء ومنطق قلبته إلى ..... - فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء- ، نعم هذا عو الحوار الذي نريده في حياتنا وبالأخص العائلية منها قبل غيرها .
لذلك كان صلى الله عليه وسلم حواره العائلي الخاص لا يقل رقيا عن حواره الدعوي العام، حواره مع زوجاته، مع ابنته الزهراء شواهد كثيرة من السيرة النبوية هي منارات حوارية نهتدي بها في حياتنا.
وهذه مقدمة أحببنا أن نقدم للحوار بها، رجاء أن تكون مدخلا لطيفا للحلقات القادمة .
تابع معنا الحوار اللفظي في البيت النبوي
والحمد لله رب العالمين
براء زهير العبيدي بإشراف أ.جاسم محمد المطوع