6 – برنارد شو :
إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، هذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدا خلود الأبد، وإني أرى كثيرا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة ، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوربا) .
إن رجال الدين في القرون الوسطى ، ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة ، لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية ، لكني اطلعت على أمر هذ الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية ، وفي رأيي أنه لوتولى أمر العالم اليوم ، لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها .
7 – تولستوي :
يكفي محمد فخرا أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم ، وأن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.
هذه نماذج من أقوال المنصفين الغربيين في النبي محمد – صلى الله عليه وسلم –
وقبل البحث في أسباب الإعجاز في حياته - صلى الله عليه وسلم - لا بد من الحديث أولا عن مظاهر ذلك الإعجاز، فبها يمكن أن نضع أيدينا على العوامل الحقيقية والأسباب التي أعجز بها النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره من الناس
مظاهر الإعجاز في حياته - صلى الله عليه وسلم - :
لو أجملنا لقلنا إنه حول العرب من النقيض إلى النقيض في زمن قصير وبأقل التكاليف ، كانوا أعداء فأصبحوا إخوانا ، كانوا يعبدون آلهة كثيرة فأصبحوا يعبدون إلها واحدا خالقا ، كانوا أميين فأصبحوا متعلمين ، كانوا قبائل كثيرة متحاربة فأصبحوا دولة واحدة ،كانوا متخلفين عن الأمم المجاورة لهم فأصبحوا متقدمين عنها .
وأمَّة العُرب كم كانت مخلفة °°°°°°° والفرس والروم في ملك وفي حشَم
ما كان يخطر بالألباب يومئذ °°°°°°° أن المـوازين قد تهـوي وتنهدم
ليصبح البدو في مجد وفي بذخ °°°°°°° والروم والفرس في وحل وفي أكَم
ولو أردنا تفصيل تلك الدلائل فسنكتفي بهذه النماذج وفي الإشارة ما يغني عن العبارة :
1 – نقل العرب من الفرقة والعداوة إلى الوحدة والمحبة : كانت بلاد العرب قبل الإسلام قبائل متنافرة متناحرة تتبع بأنعامها مواطن الكلإ والماء، يأكل قويها ضعيفها، ويغزو بعضها بعضا، وقامت بسبب ذلك حروب كثيرة عرفت بأيام العرب، على غرار حرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفجار وغيرها .. وكانت دولة الفرس في الشمال ودولة الروم في الغرب وحتى الأحباش في الجنوب يستغلون هذا الوضع لإحكام سيطرتهم، وفرض الضرائب على العرب، ولم يكن الفكر العربي في تلك المرحلة يرقى إلى مستوى التفكير في إقامة دولة أو مجتمع أو حضارة كما هو الشأن عند الأمم الأخرى، ولم يمض من عمر الإسلام أكثر من عشر سنوات حتى أعلن النبي – صلى الله عليه وسلم – قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ليعرف العرب عندها أول دستور في حياتهم، وانتقلت العاصمة إلى يثرب، ولم يكن قيام هذه الدولة هدفا في حد ذاته، بل كان هدف مؤسس هذه الدولة أبعد من ذلك بكثير، لقد كان هدفه تكوين حضارة جديدة تمتد في طول الزمان وعرضه، تقوم على كلمة التوحيد والمباديء الإنسانية السامية، ووجود أجناس مختلفة، وألوان مختلفة ضمن أفرادها الأوائل وما تضمنته نصوص الوحي من عبارات تأمر بالمساواة بين الجميع إشارة صريحة إلى ذلك .
ولم تكن هذه الوحدة مجرد شعارات ظاهرية ، أو نظاما مفروضا على الناس وهم له كارهون ، بل إنها امتدت عمقا لتعانق شغاف القلوب ، وذابت في ثناياها جميع الانتماءات العرقية والقبلية وتبدلت الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة ، فلا فرق بين أبيض وأسود ، ولا بين فقير وغني ، ولا بين أمير ومأمور ، ولا بين شريف النسب ووضيعه ، وترك أمر الأفضلية للعمل الصالح فحسب ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات :13].
– نقل العرب من الجاهلية والأمية إلى الحلم والتعلم :كانت العرب أمة أمية لا تعرف في عمومها القراءة والكتابة بشهادة القرآن الكريم ، كما كانت الجاهلية تتحكم في تصرفاتها ، وتغذي فيها معاني الثأر والظلم والتعسف على نحو قول عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحـــد علينا °°°°°فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا°°°°°° ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وبعد فترة وجيزة من مجيء الاسلام وما صاحبه من إصرار محمدي على التعلم ببيان فضل المتعلمين، واعتبار التعلم فريضة دينية على كل مسلم لا تقل عن فريضة الصلاة و الصيام و ما فعله في غزوة بدر مع أسرى قريش و هي حادثة لم يعرف التاريخ لها مثيلا لا قبل ذلك و لا بعده، هاهي القراءة و الكتابة تنتشر فيهم و استطاعوا حل كل المشكلات التي أعيت سابقيهم فوضعوا النقاط على الحروف و استحدثوا الشكل و وضعوا علم العروض وعلم النحو و كل ذلك في فترة وجيزة، و من جهة ثانية حلت محل صفات الجاهلية أخلاق الحلم و الأناة و التدبر و انتشر بينهم التسامح و الإحسان على نحو قيس بن عاصم يخاطب امرأته :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له°°°°°° أكيلا فإني لست بآكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني°°°°°° أخاف ملامات الحديث من بعدي
و سئل الأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم ؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه حتى أتى رجل مكتوف و رجل مقتول فقيل له : هذا ابن أخيك قتل ابنك ؟ فوالله ما حل حبوته و لا قطع كلامه ثم التفت إلى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي أثمت بربك و رميت نفسك بسهمك و قتلت ابن عمك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك و حل كتاف ابن عمك و سق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها إنها غريبة ..و قال الأحنف : لست حليما لكنني أتحالم.
3ـ من التبعية و الرعي إلى القيادة والإدارة : كان العرب قبل الإسلام متوزعين في تبعيتهم بين الفرس و الروم عدا قلة منهم كانت تعيش على الرعي والتجارة والغزو ، ولم يكن يخطر ببال أحد منهم أن يتحولوا إلى قادة فتوح وأساطين سياسة تنقل أقوالهم وأفعالهم كتب التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها ، وحال عمر بن الخطاب قبل الإسلام وبعده خير شاهد على ذلك، ولقد استطاع النبي الكريم أن يحول جميع أصحابه إلى فاعلين في المجتمع من الخليفة إلى التاجر مرورا بالقادة والجنود، وبالتعبير المعاصر فإن الوعي السياسي كان سائدا فيهم ، كلهم يعرف المصلحة العليا ويراعيها في تصرفاته .
لقد أحسن النبي إدارة الصراع مع قريش في مكة يوم كانوا ضعافا وفي المدينة عندما تحولوا إلى قوة ، وتمكن من تفادي ما كان يمكن أن ينتج عن الهجرة من أزمات ، وكذلك نجح أصحابه من بعده في حل العديد من المشاكل كما هو الحال في حرب المرتدين ، والفتوحات الإسلامية ، وما تمخض عنها من ظهور معاملات جديدة مع الأمم التي دخلت في الإسلام ، وكان ذلك كله بفضل القواعد التي تركها لهم النبي والتي لخصها غذاة وفاته في نقطتين هما كتاب الله وسنته – صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أصاب المسلمين ما أصابهم بعد ذلك بسبب التخلي عن الالتزام الصارم بتلك القواعد الذهبية .
4 – أنه حقق كل تلك الأعمال العظيمة بأقل التكاليف : لقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم – كل ذلك في وقت قياسي وبأقل التكاليف ، على خلاف التحولات المعاصرة التي تكلف الكثير من الأنفس والأموال دون أن تتمخض عنها نتائج محترمة ، فإذا كان التحول سلميا فإنه يكلف المبالغ الخيالية من الأموال ، وأما إذا كان غير ذلك فإنه لا يتم إلا بإزهاق أرواح كثيرة ، أما النبي فقد كان أحرص الناس على حقن الدماء وعلى التيسير والأخذ بالأيسر، ولم تكلف عملية التحول الناجحة التي امتدت على مدى ثلاثة وعشرين عاما أكثر من ألف وثمانين قتيلا من المسلمين وأعدائهم على الرغم من أنه خاض ضد أعدائه ثمان وعشرين غزوة، والسر في ذلك أنه جعل حفظ الأنفس واحدة من أهم أولوياته ، فهو قد قبل بصلح الحديبية على ما قد يبدو فيه من جور، وقبل الفدية يوم بدر ممن ناصبوه العداء، وآذوه وجاؤا لقتاله، ومن مظاهر حرصه على الدماء ما حدث في فتح مكة، فهو قد حرص على عدم إعلام قريش حينما أراد الفتح لئلا تتجهز لذلك ويذهب في المعارك قتلى كثيرون، فقد خرج من المدينة ولا يعلم من أصحابه وجهته إلا امرأته عائشة وصاحبه أبو بكر الذي أمره بإخفاء الأمر ، فكان من يظن أنه يريد الشام، وظان يظن ثقيفا، وظان يظن هوازن ، وبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبا قتادة ابن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن إضمليظن ظان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار.
يتبع ...
التعديل الأخير تم بواسطة fateh ; 2007-02-10 الساعة 9:52 PM.
|