لا شك أن المسألة خطيرة .. ولكي نتخذ القرار السليم لا بد أن نفكر في مستقبل طلب الزوج .
إذا رفضت الزوجة الذهاب وغضب الزوج ثم توفيت شقيقته ماذا سيحدث للعلاقة الزوجية ؟! إنه جرح لن ينسى أبداً ..
وإن أصر هو على رأيه في ذهابها، ووافقت ، ويترتب على ذلك خصم من إجازتها السنوية أو راتبها ، وتكفل هو بالأولاد، أو إذا أخذت أحدهم معها وحاولت أن تتغلب على مخاوفها فإن الزوج لن ينسى ذلك أبداً ..ويبقى الموضوع على حسب رأي الزوج والزوجة، ولكني أفترض هنا أن الزوج متصلب في رأيه ، ويريد منها الذهاب .. فإنني أرجح الرأي الثاني وهو الاحتمال الرابع بالجدول.
إن إدارة الخلاف فن ومهارة، وكم من أسرة كادت أن تتفكك لولا أن أحد أقطابها استطاع أن يحافظ عليها بمهارة فن إدارة الخلاف، ولا بد من الإشارة إلى أن هناك خلافات تمنع من استمرارية الحياة الزوجية مهما كان الإنسان فناناً في الإدارة ومرناً، وخاصة إذا وقع الضرر على الدين.
فهذا نموذج نعرضه على القارئ في طريقة علاج المشاكل الزوجية، ولا مانع لدينا من أن يكون للقارئ نموذجه الخاص في التفكير، ولكن المهم هو القرار السليم في الوقت الصحيح مع الشخص المناسب.
(3) عدم الولاء للأسرة:
إن هذا العائق خطير جداً، وتهتز الأسرة وبنيانها بشدة عندما تفقد المصداقية والولاء، فعندما يسعى الزوجان إلى هدم حياتهما وتحطيمها بأيدهما.. والسؤال الذي تطرحه ما هي الأسباب التي تجعل الزوجين يفقدان الولاء للأسرة؟!
أعتقد أن هناك ثلاثة أسباب:
(أ)عدم الثقة:
إذا فقدت الثقة بين الزوجين، ضعف الولاء والارتباط بالأسرة، وحينها تبدأ الزوجة تقول: لماذا أتعب وأجهد نفسي وأعمل لزوج لا يثق بي؟ وكذلك يقول الزوج مثل هذا الكلام ، وعندها تتحطم الأسرة ، وتفقد مصداقيتها، ولهذا ينبغي أن تتغلب على الشك ، وأن لا نجعل للشيطان منفذاً يوسوس منه، وأن نتحكم بالغيرة الزوجية ولا نعطيها أكبر من حجمها، كي لا يتضايق أحد الزوجين ويبدأ بالهروب من جو المنزل، ولهذا نلاحظ كيف وجه النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة – رضي الله عنها – ولهدها- أي دفعها في صدرها حتى أوجعها من أجل ترسيخ قواعد الثقة وحسن الظن في الحياة الزوجية، ولندعها تروي لنا قصتها فتقول:
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعله فوضعها عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع ، لم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً( أي بهدوء) وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج ثم أجافه ( أي رده ) رويداً ، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنعت إزاري ، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع( أي مقبرة البقيع )، فأسرعت فهرول فهرولت ، فأحضرت فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشيا رابية ( أي سريعة المشي ) ؟! قلت: لا شيء قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير ، قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، فأخبرته قال: فأنت السواد الذي رأيته أمامي؟ قلت: نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف ( يظلم) الله عليك ورسوله ! قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك ، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للآحقون. رواه مسلم في صحيحه ج 3/64
فالثقة خلق مطلوب بين الزوجين لترسيخ مبدأ الولاء والتفاني للأسرة، وإن كانت الثقة موجودة بين النبي وعائشة إلا أن ملاحقة السيدة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت من باب الاطمئنان عليه لأنها ظنت أنه سيذهب إلى بعض نساءه ، والغيرة هي التي دفعتها لذلك ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وجهها ونبهها ولهدها أي دفعها في صدرها حتى أوجعها من أجل ترسيخ قواعد الثقة بينهما..
( ب) عدم الاحترام:
وهذا كذلك مهم جداً لزيادة المحبة الزوجية وتوثيق العرى بين الزوجين، وإلا لتحطمت الأسرة وأصبح الزوجان وكأنهما عدوان في البيت الواحد، يترصد كل واحد منهما للآخر، بسبب عد وجود الاحترام فيما بينهما، وهنا تفقد العلاقة الزوجية جوها وودها وولاءها ، ويتمنى كل من الزوجين الفراق قبل كل شيء .. وإن من احترام الرجل لزوجته أن يستمع إليها إذا تكلمت ولا يقاطعها بالكلام وأن يستشيرها ويأخذ برأيها إن كان صواباً ، ولا يعطل أوامرها المنزلية، أو يكسر كلمتها أمام أولادها .. وكذلك من احترام المرأة لزوجها أن تناديه بأحب الأسماء إليه، وتقدر رجولته وأن تمتدحه أمام أهله، ولا تستهزئ به أمام أولاده أو تطعن به.
وإن حبيبنا محمداًُ صلى الله عليه وسلم ، يعلمنا مبدأ الاحترام وتقدير المشاعر الزوجية من خلال موقفه مع السيدة صفية بنت حيي – رضي الله عنها – حيث قال لها:( لم يزل أبوك من أشد اليهود لي عداوة حتى قتله الله) فقالت: يا رسول الله: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .. وهنا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أباها بشر أبداً حتى توفي صلى الله عليه وسلم ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الاحترام وتقدير المشاعر، وأن العلاقة الزوجية ليست بالقهر والأمر والنهي ، وإنما هي تعاون ومودة ورحمة ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ درجة احترامه لزوجاته أنه كان يودعهن إلى الباب إذا أردن الخروج ، وقد حصل ذلك مع صفية كذلك – رضي الله عنها، فعن صفية – رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم .. أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها ، ( وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فرحن، فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها.
(ج) عدم الشعور بالأمان:
إذا لم يتوفر الشعور بالأمان لدى كل من الزوجين ، فإن الولاء للمؤسسة الزوجية سينتهي حتماً ، وذلك لعدم شعور أحدهما بالأمان تجاه الآخر والاطمئنان له، ومن علامات الأمان أن يبث كل من الزوجين همومه للآخر، ويتحدث كل منهما عن طموحه وأحلامه، ويردد بين حين وآخر، بأنه بحاجة للطرف الآخر، وإنه يشكر الله تعالى أن جمع بينهما في علاقتهما الزوجية، وهذا من الإشعار بالأمان في القول ، وأما العمل فدفاع كل واحد منهما عن الآخر ، عن ماله واسمه وسمعته وعمله، وحتى عن عيوبه وأخطائه ، فعندما يشعر الزوجان بالارتياح وتحقيق الأمن في حياتهما، تقوى علاقتهما بالمؤسسة الزوجية، ولعل حاجة المرأة للشعور بالأمان أكثر منها بالنسبة للرجل، ولهذا فإنها تحب أن تختبره دائماً وترى مقدار مكانتها عنده لتشعر بالأمن والحب أكثر وأكثر..فلا يتضايق الرجل من ذلك، وليكن صريحاً معها، وليخبرها عن حبه أو حاجته لها، وخصوصاً إذا كانت امرأة صالحة وتستحق ذلك، وهذا ما نستخلصه من حكاية السيدة عائشة – رضي الله عنها – وكيف كانت تريد أن تؤكد على مكانتها عند حبيبها محمد صلى الله عليه وسلم حيث قالت: يا رسول الله .. لو نزلت وادياً كثير الشجر ومعك ناقة ، فوجدت شجرة قد أكل منها، وشجرة لم يؤكل منها، تجعل راحلتك تأكل منأي الشجر ؟!
( وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مرادها لأنها هي الوحيدة البكر من نسائه) فقال وهو يبتسم: من الشجرة التي لم يؤكل منها ، فقالت: كذلك أنا .. ( أي أنا الوحيدة البكر) " ولكي تطمئن المرأة فإنها تحب أن تستأثر بزوجها وتكون هي الوحيدة معه.. هي الوحيدة في الجلوس معه ..وهي الوحيدة في ملامسته..وهي الوحيدة .. وهي الوحيدة .. وكأنها تحب أن تتملكه لتشعر بالأمان.
(4) الجهل بأحكام الأسرة:
إن العلاقة الزوجية علاقة متبادلة فمرة الزوج يكون هو المانح والزوجة هي الآخذة ، ومرة أخرى تكون الزوجة هي المانحة والزوج
هو الآخذ، وهكذا تسير العلاقة الزوجية بتبادل بين الحقوق والواجبات وتكسوها المودة والرحمــة ، فالرجل له القوامة وعليه النفقة وتأمين الحياة ،
وللزوجة الطاعة والسكن.
وإن الناظر إلى الخلافات الزوجية يرى أن أكثرها يرجع السبب فيه إلى الجهل بأحكام الشريعة في العلاقة الأسرية ، فالزوج لا يعرف ما له وما عليه ، وكذلك الزوجة سواء في الأمور المالية ، أم المعاشرة الزوجية، أم في مجال تربية الأولاد ومتعلقات المنزل..
ولو فهم الزوجان الأحكام الشرعية في العلاقة الزوجية وعملا بها وتجاوزا هذا العائق لساد جو المنزل السعادة والوفاق الزوجي .. فاتباع هدى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فيه البركة والسعادة ، ولهذا قال الإمام مالك – رحمه الله – " السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " ." الفتاوى الكبرى لابن تيمية ح 2/374.
وقد قال الله تعالى " وإن تطيعوه تهتدوا " والهداية والسعادة في كل شيء حتى في العلاقات الزوجية ، وهذا ما كان سلفنا رضوان الله عليهم يحرصون عليه، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه " لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ " ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي عياض ج2/18) فالحرص على تطبيق أحكام الإسلام في العلاقة الزوجية يساهم في نجاح الزواج وعدم فشله.
من كتاب ( 10 عوائق في طريق الزواج الناجح ) أ. جاسم المطوع