{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) }أخبر تعالى أن مع العسر يوجَدُ اليسر، ثم أكد هذا الخبر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حُميد بن حماد بن خَوَار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شُريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا وحياله حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه"، فأنـزل الله عز وجل: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) .
ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن مَعْمَر، عن حُميد بن حماد، به ولفظه: "لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه" ثم قال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح .
قلت: وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفا.
< 8-432 >
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قَطَن حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يومًا مسرورًا فرحًا وهو يضحك، وهو يقول: "لن يَغْلِب عُسْر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا" .
وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد، عن الحسن مرسلا .
وقال سعيد، عن قتادة: ذُكِرَ لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين" .
ومعنى هذا: أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر فتعدد؛ ولهذا قال: "لن يغلب عسر يسرين" ، يعني قوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد.
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نـزل المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونـزل الصبر على قدر المصيبة" .
ومما يروى عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه قال:
صَـبرا جَـميلا مـا أقـرَبَ الفَـرجـا
مَـن رَاقَـب اللـه فـي الأمـور نَجَا
مَــن صَــدَق اللـه لَـم يَنَلْـه أذَى
وَمَــن رَجَـاه يَكـون حَـيثُ رَجَـا
وقال ابن دُرَيد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:
إذا اشــتملت عـلى اليـأس القلـوبُ
وضـاق لمـا بـه الصـدر الرحـيبُ
وأوطـــأت المكــاره واطمــأنت
وأرســت فــي أماكنهـا الخـطوبُ
ولـم تـر لانكشـاف الضـر وجهــا
ولا أغنــــى بحيــلته الأريــبُ < 8-433 >
أتــاك عـلى قُنـوط منــك غَـوثٌ
يمــن بــه اللطيــف المسـتجيبُ
وكـــل الحادثـــات إذا تنــاهت
فموصــول بهــا الفـرج القـريب
وقال آخر:
وَلَـرُب نـازلـة يضيـق بهـا الفتـى
ذرعـا وعنـد اللـه منهـا المخـرج
كــملت فلمــا اسـتحكمت حلقاتهـا
فرجــت وكــان يظنهـا لا تفـرج