وأما قصتنا الثانية فمع وفاء زوج لزوجته , وهذه القصة حصلت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويرويها لنا ابن الزناد عن هشام بن عروة قال : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالبيت إذ رأى رجلاً يطوف وعلى عاتقه امرأة مثل المهاة – يعني حسناً وجمالاً – وهو يقول :
قدت لهذي جملاً ذلولاً موطاً أتبع السهو لا
أعدلها بالكف أن تميلا أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجوك لذاك نائلا جزيلاً
فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا عبد الله , من هذه التي وهبت لها حجك ؟
قال : امرأتي يا أمير المؤمنين , وإنها حمقاء مرغامة , لا يبقى لها خادمة .
قال له : ما لك لا تطلقها ؟
قال : إنها حسناء لا تقرك , وأم صبيان لا تترك .
قال فشأنك بها .
وأعرف زوجاً أصيبت زوجته بالمرض الذي أقعدها في الفراش لأكثر من ثلاث سنوات وهو يلازمها ويرعى أبناءه بعد مرضها , فقالت له يوماً , لماذا لا تطلقها ؟
فرد علي وفاء لعشر سنوات صبرت علي وأكرمتني بها , أفلا أكرمها رداً للجميل ووفاء لتلك العشرة !!!
ه- والوفاء والغدر عند الإنسان
عرف الكلب بالوفاء حتى إن الشاعر البدوي امتدح الخليفة العباسي به قال :
أنت كالكلب في حفاظك للعهد
وكالتيس في قراع الخطوب
وهناك قصة قد تكون من نسج الخيال ولكنها تعبر عن وفاء الكلب , وهى أن كلباً عاش فى بيت مزارع زمناً طويلاً يحرس البيت , ويبعد اللصوص , ويمشي وراء صاحبه في كل مكان , وكما كان يحب صاحبه كان يحب أولاده , ويلاعبهم ويتحمل الأذى عنهم , ومضت السنوات وكبر الكلب في السن .. وأصبح لا يستطيع أن يحرس المنزل , ويبعد اللصوص كما كان يفعل من قبل , ورأى المزارع أن يتخلص منه , فأراد أن يبيعه , ولكن لم يقبل أحد أن يشتريه , لأنه كبير وضعيف وفكر الرجل في طريقة يتخلص بها من الكلب فأخذه إلى مكان بعيد , خارج المدينة وتركه هناك ورجع مسرعاً بسيارته , ولكن الكلب استطاع أن يعود إلى منزل المزارع مرة ثانية , تضايق الرجل لأنه لم يستطع التخلص من الكلب , ولم تنفع كل الحيل للتخلص من الكلب , وأخيرا قال في نفسه , أحسن طريقة للتخلص من هذا الكلب أن أخذه وأرميه في البحر , وركب قارباً وأخذ الكلب معه , ودخل في الماء مسافة بعيدة , وفي وسط البحر حمله بيده ورماه في البحر , ولكن الكلب كان يغوص في الماء مرة ويظهر مرة أخرى , ويجري نحوه في القارب , والمزارع يدفعه بعيداً عنه , وفي لحظة جاءت موجة شديدة ضربت القارب فقلبته وسقط الرجل في الماء وكاد يغرق فرآه الكلب وجاء إليه مسرعاً وأنقذه , فأخذه إلى منزله , وندم على ما فعل وأكرمه حتى مات .
فهذا مثال لإحدى الحيوانات التي لا تعرف الوفاء , وأما مثال الحشرات فالعنكبوت معروف بعدم وفائه الأنثى منه للذكر .
ولهذا ضرب الله لها المثل عندما قال { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كان يعلمون }
وأنثى العنكبوت إذا أرادت الذكر تخرج له رائحة , فإذا جامعها بثت فيه السم فقتلته , ثم إذا رزقت بالأبناء وجاعت أكلت نصفهم , فلا تعرف الوفاء أبداً ولهذا ضرب الله بها المثل .
و- أفكار تربوية تغرس في أبنائنا خلق الوفاء
إن تصوير خلق الوفاء وتقريبه للأطفال فيه صعوبة , ولكن هناك أكثر من فكرة لتربية أبنائنا على خلق الوفاء , منها الطريقة السريعة والمباشرة من خلال :
1.تعريف خلق الوفاء لهم وبيان أهميته وأنه عملة نادرة في هذا الزمان .
2.أن يكون الوالدان وفيين للآخرين أمامهم فيشاهدوا مواقف عملية الوفاء .
3.ذكر قصص الوفاء عند العرب والمسلمين وقصص الوفاء عند الصحابة ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .
4.ذكر قصص الغدر وعدم الوفاء سواء عند البشر أو عند الحيوانات .
5.التذكير بهذا الخلق بين حين وأخر والتكرار عليهم بأهميته .
6.إرشاد الأبناء إلى معنى العهد والإنفاق واحترام الكلمة واحترام الوعد فإن الطفل يولد بفطرته السليمة ملتزماً بالعهد .
7.تدربيهم على بعض علامات الوفاء مثل الصدق عند الحديث , والالتزام بالموعد إذا واعدوا .
وهناك الطريقة البطيئة وغير المباشرة وذلك من خلال غرس العقيدة وحب الدين , لأن خلق الوفاء من قيم الدين .
من كتاب ( زوجات النبي صلى الله عليه وسلم )