لذيذ الاستمتاع بما جاء في حجة الوداع ( 2 )
أيها الإخوة الأبرار .. لقد عاد الحجاج من حجتهم مع نبيهم وهم يحملون حقيقة الدنيا ، فزهدوا فيها ، وعلموا حقيقة الآخرة فَحَرِصوا وتسابقوا عليها ، لقد عَلِمَ الرعيل الأولُ هذه الحقيقة بعد رُجوعهم من حَجِّهم عِلمَ يقين ..
فمن أين لهم هذه ؟ أين سمِعُوها ؟ أين وجدوها ؟ إنها من مشكاة النبوة ، ألا فاسمعوها .. أخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف ، فحمِدَ الله وذكره بما هو أهله ، ثم قال : من كانت الآخرة همَّه ، جمع الله شمله ، وجعل غِناه بين عينيه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ( أي : ذليلة ) قال : ومن كانت الدنيا همَّه فرَّق الله شمله ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له ).
إنها لكلماتٌ في همسات ، جاءت من مناسك حجته صلى الله عليه وسلم لتكون هدياً لسامعها طيلة حياته ، ولقد استفاد الصِّحاب من حجهم فكانوا رُهبانا بالليل فرسانا بالنهار ..
ألا وإن من وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمَّته في حجته ، قوله : ( اعبدوا ربكم ، وصَلُّوا خَمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ذا أمركم ؛ تدخلوا جنة ربكم ) أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح .
فهذه وصية لمن أراد الجنة ؛ أنَّ عليه الاستمرار في العبادة بعد الحج ، والمحافظة على الصلاة والمداومةِ عليها ، وعدم التساهل والتفريط فيها بعد الحج ، كما هو الحال عند كثير من المسلمين هدانا الله وإياهم ..
ما إن انتهى أحدهم من حجته وعاد إلى أهله ؛ انقلب رأساً على عقب ، وحسب أنه بحَجته قد أَدخَلَ إحدى رجليه إلى الجنة ، وأنه قد حاز السبق ، فَفرَّط أشد تفريط ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) فالمداومةَ المداومة ، على صالح الأعمال ، وأكثروا من شُكر الله على ما منَّ به عليكم من إتمام الحج ، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ..
أحبابنا ولقد كان الحُجَّاجُ في منى يودِّعون المشاعر في آخر أيامهم بالحزن على فراق أجمل الذكريات ، ولذيذ العبادات والطاعات ، ومع أُناسٍ تلاقت قُلوبهم وتعارفت وامتزجت برابط أُخوَّة الإسلام ..
كان هذا الحزن هو حال حُجَّاجِنا في هذا الزمن ، أمَّا حُجاج الرعيل الأول ، فكانوا على موعدٍ لِفراق الحبيب صلى الله عليه وسلم ، والحزن كان يلُفُّهم من كل جانب ، لقد سَمِعوه وهو يُصرِّحُ بالفراق والوداع حين قال لهم يوم النحر كما عند مسلم ( لَعلِّي لا أحج بعد حجَّتي هذه ) .. فعرف الصحب أنه يُودِّعُهم ، فارتفع البكاء والضجيج ، وَكَثُرَ النحيب ..
بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليــكم ولا جفَّـت مآقيـنا
تكاد حين تلاقيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لو لا تأسـينا
إن عزَّ في الدنيا اللقاء ففي مـواقف الحشـر نلقاكم ويكفينا
أتى صلى الله عليه وسلم لينحر الإبل ، وقد ساق مائة ناقة ، ليفدي بها جده إسماعيل عليه السلام ، فلما أَخَذَ حربته لينحرها ؛ تسارعت إليه النوق ، كُلُّها تريد أن تتشَرَّفَ بأن يكون النبي عليه الصلاة والسلام ناحرَها وبيده الشريفة ، لأنه الرحمة المهداة ..
لا إله إلا الله ، خضعت له الحيوانات ، والجمادات ، وحنَّ له الجذع ، واهتز أُحدٌ فرَطاً حين صعده ، الكل يحبه عليه الصلاة والسلام ، فَلِما لا نحبه نحن أيضا وبهديه نتمسك ؟
تسابقت إليه الإبل ، كل جمل يُقَدِّمُ نحره وصدره ، فأخذ صلى الله عليه وسلم يقول : ( بسم الله .. ونحر ما كَتَبَ الله له أن ينحر ، فقيل أنه نحرَ ثلاثا وستين ، ثم توقف وأعطى الحربة لِعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فكمَّل المائة ، فعرف كبار الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم لن يتجاوز هذا العدد من السنين ، فقالوا : ( إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ) .
ثم ذهب صلى الله عليه وسلم ليقضي تفثه ، وليحلق رأسه ، فقال لمعمر بن عبد الله : ( يا معمر سمِّ الله واحلق رأسي ) فأعطاه ميمنة رأسه الشريف ، فأخذ يحلِق ورسول الله يبتسم ويقول : ( أما رأيت رسولَ اللهِ أعطاك رأسه بين يديك ، والموسَ في يديك ؟ )..
قال معمر والفرحة تَغمره ، والسعادة تحيط به .. والله يا رسول الله إنها مِن نعم الله عليِّ أن أحلق رأسك .. فلما انتهى النصف الأول قال لأصحابه : ( اقتسموه بينكم )
فكادوا يقتتلون على شعره ، حُبٌ صادق لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام .. ثم قال لمعمر : ( احلق النصف الآخر ، فحلقه ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( أين أبا طلحة الأنصاري ؟ فأتى أبو طلحة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( خذ هذا الشعر كُلَّه ) .. فبكى أبو طلحة من الفرح .
طفح السرور عليَّ حتى أنني من هول ما قد سرني أبكاني
تلكم ـ يا عباد الله ـ بعض معاني الحج وذكرياته ، نَرجِعُ بعد الحج وقد امتلأت القلوب حباً وتعظيماً لله جل جلاله ، وحباً لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أعظمها من ثمرة يفوز بها الحاج بعد حجه ..
محبكم في الله / جمال بن عبد الله الزهراني