القولون المتهيج والتعبير عن المشاعر
غالباً ما يستجيب القولون ( جزء من المعي الغليظ ) على الاضطرابات النفسية . ويظهر هذا المرض الذي يكون فيه القولون سليماً من الناحية العضوية لدى الراشدين في أواسط العمر وأواخره وكذلك لدى الأطفال أيضاً ، حيث يعاني المرضى من التبادل المستمر بين الإسهال والإمساك، ويترافق القولون المتهيج بآلام مختلفة الأنواع كالآلام في أسفل البطن والغازات والشعور بالامتلاء والتشنجات ووخز الصدر وآلام في القلب من خلال ابتلاع الهواء وأرق وانحطاط في الجسم وصداع وعصبية وعدم استقرار داخلي. وبما أن الآلام في أسفل البطن يمكن أن تشير إلى أمراض مختلفة يقوم المرضى بإجراء فحوصا داخلية متنوعة إلى أن يصبح المرض مزمناً ومعاندا على المعالجة الدوائية في أغلب الأحيان.ذلك أن المرضى يبتعدون أكثر فأكثر عن رؤية الأسباب النفسية.
يمكن لخبرات القلق كمواقف الامتحان و المعلمين والمديرين أو الرؤساء والأهل …الخ. أن تسبب تهيج القولون. وغالباً ما لايتم إدراك التعلق بممثلي السلطة شعورياً ، بل وتتم إطاعتهم بشكل خواف. وبدون المساعدة الخارجية يبدو أنه من غير الممكن تحقيق الإشباع من هذا التعلق. وبعض المرضى يبدون بأنهم مقدامون ومتلائمون ومسيطرون على ذاتهم. إنهم يموهون خوفهم من خلال الظهور بمظهر الجرىء الفعال. وعلى الرغم من أنهم يرغبون بالتقارب المنسجم مع ممثلي السلطة فإنهم يبدون غامضين لمحيطهم .
على الأصدقاء والطبيب مساعدة المريض في التعبير عن مشاعره وعلى إعادة التفكير بتلاؤمه المفرط . وعلية التعرف على عدم ثقته والاعتراف بالضعف. بل ربما عليه كذلك أن يدرك أن سلبيته قد تكون نقطة قوة وبشكل خاص في عصر يعد فيه للأسف الإنسان العملي ( أو الذرائعي ) أفضل من الإنسان الأمين والموثوق.
اضطرابات الطعام ونداء الاستغاثة
الطعام هو أكثر من مجرد تناول الغذاء ، إنه يرمز للصداقة والترابط ويجمع الأسرة والأهل والأصدقاء معاً. ويشكل وسيلة من وسائل التواصل بين البشر بل ويثير هذا التواصل أيضاً وفي الوقت نفسه يمكن للإنسان أن يجد في الطعام تعويضاً لإحباطاته ومشكلاته.
فإلى جانب فرط الشهية للطعام التي ترتبط بنوبات من الأكل الشره و مع الوزن الزائد و مع التقيؤ في غالبية الأحيان يمكن أن يظهر في الجانب المقابل نقص الشهية للطعام، الذي يمتنع فيه المرضى عن تناول الطعام و يقومون بتقيؤ الطعام كذلك. ويشكل مرضى الضوَّر الفئة الثالثة من هؤلاء المرضى. وهؤلاء عبارة عن أشخاص يمتلكون وزناً طبيعياً، إلاّ أنهم يعانون من نوبات فرط الأكل يتناولون فيها كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة يعقبها بعد ذلك تقيؤ الطعام الذي تم تناوله. ونوع رابع يلاحظ في منطقتنا العربية يتميز بالفقدان المتطرف للشهية مع عدم القدرة على تناول كمية وافية من الطعام لسد حاجات الجسد ولا يعاني فيه المرضى من نوبات الأكل ولا يقومون بالتقيؤ . ويظهر هذا الاضطراب بشكل غالب لدى النساء أكثر من الرجال فحوالى 90% من مرضى هذا النوع هن من النساء لذلك تتحدث المراجع المتخصصة حول هذا الاضطراب بصيغة المؤنث في وصف المرضى. ويسير المرض بصورة مزمنة وغالباً دون ملاحظة المحيط لنوبات الأكل والتقيؤ. ويشكل هذا الاضطراب تهديداً حقيقياً للحياة وخصوصاً في فترة المراهقة، وعامل خطر على القلب والدورة الدموية لأنه يسبب ارتفاع ضغط الدم كما ويمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالسكري.
غالباً ما يعاني مرضى فرط الشهية للطعام من الاكتئابات ومشاعر الذنب، لأنهم يتمردون على والديهم من خلال نوبات الطعام والتقيؤ. وفي كثير من الأحيان يصبح هؤلاء سمان بحق . وبما أن السمنة الزائدة لا تلقى الاستحسان ( عند الفتيات اليافعات وقبل الزواج بصورة خاصة في مجتمعاتنا العربية ) لأنها لا تتطابق مع معيار الجمال السائد الذي تغذيه كل يوم عشرات الإعلانات والصور يعاني المرضى بهذا الاضطراب من إحباطات إضافية.
وبالمقابل فإن فاقدي الشهية قلما يشعرون بالمعاناة من اضطرابهم، إنهم يشعرون بالراحة الجسدية والنفسية حتى في الحالات المتطرفة من انخفاض الوزن فإنهم يعتبرون وزنهم طبيعياً. ويشعرون بالانزعاج من كل ما هو جسدي ، بل أن اهتماماتهم غالباً ما تكون ذهنية خالصة، يقومون بحمايتها من خلال المرض، ذلك أن التجويع يعطي تأثيراً مخدراً . فتحت تأثير الجوع يطلق الدماغ الاندروفينات وهي مواد مخدرة يتعود عليها الجسد ويطلب كل مرة المزيد من الأندروفينات التي تعني مزيداً من التجويع.
وفي كثير من بلدان العالم يلاحظ ازدياد فرط الشهية مع التقدم في السن. وبشكل خاص لدى الأشخاص الذين يعيشون ضمن ظروف اجتماعية غير مناسبة فهؤلاء يفترسون همومهم . ويشعر المرضى بأنهم معزولون ومغبونون في بيئتهم. إنهم يعانون من الخوف من الوحدة ويشعرون بالملل ويجدون في الطعام تنفيساً لاشعورياً. وإذا ما فقدت النسوة شريك حياتهن بالموت أو الطلاق يمكن لفرط الشهية أن يظهر لديهن. والأم التي تميل إلى مواساة هموم طفلها اليومية من خلال تقديم الطعام له بدون محاولة فهم ما يقلقه أو يزعجه، فإنها بذلك تشجع الميل لدى طفلها لأن يعاني في سن الرشد من الوزن الزائد، لأن تخفيف القلق سيرتبط لديه مع تناول الطعام. كما وأن الفتيات والنسوة اللواتي يبالغن في مثال النحافة غالباً ما يصبحن من مرضى فقدان الشهية . فكثير منهن قد مررن بخبرة الرفض من الآخرين عندما يزداد وزنهن قليلاً، وبالتالي يغرقن في قسر التجويع، الذي يعني التقبل. وهناك مواقف أخرى يمكن أن تثير السمنة وفقدان الشهية كالصراع على السلطة بين الأم وابنتها، ورفض الدور الأنثوي، وعدم وجود انفصال داخلي عن منزل الوالدين، الذين غالباً ما يكونا قد قمعا وكبتا رغبات الاستقلالية عند الفتاة في فترة المراهقة.
ويمكن للمعالجة النفسية المتمركزة حول المتعالج أو العلاج السلوكي أن يساعدا على إيجاد أسباب فرط الأكل . أما فقدان الشهية العصبي فهو مرض شديد و معاند ويحتاج للعلاج في مشفى متخصص بالطب النفسي الجسدي . ولكن في حالة عدم وجود نحافة شديدة زائدة كثيراً عن الحد الطبيعي يمكن للأهل والأصدقاء مساعدة الفتاة من خلال الحديث حول المعيار المثالي للنحافة. كما ويمكن لتشجيع الصداقات مع الأتراب وتنمية الاستقلالية عن الأهل أن تساعد في هذا المجال.إلاّ أنه في يغلب في أحيان كثيرة وجود صراعات أسرية يتم التعبير عنها من خلال النزعة للطعام ، وعندئذ لابد من العلاج الأسري الذي يمكنه أن يقدم المساعدة في هذا المجال.