الموضوع: جسدك مرآة نفسك
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2006-11-29, 3:18 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
تــمـرد الجــســد

عندما تصل الصراعات اللاشعورية إلى مرحلة يصبح فيها الجهاز النفسي غير قادر على الحفاظ على الضغط الداخلي ضمن سيطرته وعندما يرفض الجسد الاستمرار في اللعبة اللاشعورية التي نمارسها وتفشل وسائل دفاعنا في الحفاظ على التوازن ، أو عندما يصل التنافر إلى مرحلة عدم إمكانية تحقيق الانسجام بين مفهوم الفرد لذاته وبين الممارسة الواقعية لهذا المفهوم أو عندما يتهدد نظام المنظومة بالانهيار نتيجة عدم التوازن في علاقات المنظومة الاجتماعية أو الأسرية يتمرد جسدنا علينا بأسلوبه الخاص بإجبارنا على حل الصراعات أو التنافر المسبب للصراعات وإن كان ذلك بطريقة رمزية ولا شعورية على الغالب، و على حساب إحساسنا الجسدي بالراحة والعافية أيضاً. إنه يتمرد حتى لو كان في ذلك إحساس بالألم الجسدي، ولكن ربما كان الألم الجسدي أخف وطأة من الألم النفسي. وفيما يلي أمثلة عن أشكال هذا التمرد:

عصاب القلب بين الاستقلالية والاهتمام

عصاب القلب تسمية قديمة صنفها فرويد ضمن عصابات القلق وشهدت في سبعينيات وثمانينيات هذا القرن جدلاً كبيراً حول تصنيفها كصورة مرضية مستقلة، ويطلق عليها البعض آلام القلب الوظيفية وتتمثل في مخاوف المريض المتمركزة حول القلب و يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بأعراض شبيهة بالذبحة القلبية بدون أي سبب عضوي لذلك، أي بتسرع مفاجئ للقلب ( نوبات هلع ) وارتفاع في ضغط الدم وارتجاف وتعرق واضطرابات في النظر وتنفس متسرع ودوار ولكن بدون الإصابة بالإغماء. ويعاني المريض من خوف مرعب وخوف من الموت بالقلب، حيث تستمر النوبة بين دقائق معدودة حتى عدة ساعات أحيانا. وغالباً ما يظهر بين سن 18 -40 لدى كلا الجنسين مع ميل لغلبة الأعراض بين الذكور. و تظهر النوبات بفواصل تتراوح بين بضعة أيام حتى بضعة أسابيع.

وتظهر بين الفترات الخالية من النوبات مجموعة من الآلام كأوجاع القلب وعدم الاستقرار الداخلي والأرق والضعف وآلام في الجهاز المعدي والمعوي وخوف من مواقف متنوعة وانحطاط عام. وعلى الرغم من أن الأعراض تشبه أعراض الذبحة القلبية إلاّ أن القلب وجهاز الدورة الدموية يكونا سليمين كلية بل أن الدراسات تشير إلى العكس من ذلك. فاحتمال أن يتطور الأمر إلى ذبحة قلبية حقيقية لدى مرضى عصاب القلب أمر نادر الحدوث، على الأقل ليس أكثر من احتمال إصابة أي شخص آخر سليم بذبحة قلبية من السكان ككل. ولا يوجد أدوية فعلية لمعالجة عصاب القلب، أو لإزالة نوبات الخوف والقضاء عليها، بل أن كثير من الأدوية يمكن أن تسبب كتأثير جانبي لها أعراض آلام قلبية عصابية.

وتكمن أسباب الخوف المرعب الذي يعيش فيه عصابي القلب في الخوف من الانفصال والفقدان. و ينشأ خوف الانفصال هذا منذ الطفولة بسب التعلق الشديد بين الطفل والوالدين ( الأم بشكل خاص ) ، التي تعيق نمو الاستقلالية عند طفلها من خلال خوفها المفرط الذي تعاني منه لا شعورياً هي أصلاً وينعكس في خوفها المبالغ به على طفلها . وفي مرحلة الرشد يتم نقل هذه التعلقية إلى الشريك ( الزوج أو الزوجة ) أو إلى أي شخص موثوق آخر يحل محل الأم رمزياً. فعصابي القلب تعوزه الشجاعة للاستقلالية هذه الشجاعة التي يمكن أن يستمدها من أم تحبه ، ولكنها غير خوافة ولا مفرطة الاهتمام به. وهذا هو في الواقع جوهر الصراع اللاشعوري لدى عصابي القلب ، أي الرغبة في التعلق بشخص يحبه وفي الوقت نفسه الرفض اللاشعوري لهذا التعلق الحامي والمفرط القلق وبالتالي الرغبة بالاستقلالية. وهو ما نطلق عليه تسمية صراع الإقدام الإحجام . وغالباً ما يكون منطلق الأعراض أو النوبة المفاجئ من خلال التهديد الفعلي أو المتصور بانفصال الشريك ( كالطلاق أو موت الزوج أو الزوجة أو حتى مجرد تصور هذا أو التلويح به ). فعلى الرغم من أ، المريض يخاف من زوال تعلقيته بالآخر ، إلاّ أنه يأمل دائماً بالاستقلال وتذوق طعم الحرية .

ويمكن التمييز بين نمطين من الشخصية ضمن بنية الشخصية لدى مرضى عصاب القلب يتميز الأول بالتعلق القلق والواضح بشخص ما و يسعى للحفاظ على صحته ويتجنب أي نوع من الإرهاقات الجسدية ويراقب بقلق وبشكل دائم نشاط قلبه بكل تفاصيله ، ولا يندر أن يقود نفسه من خلال هذه المراقبة إلى حدوث نوبة الهلع. ويمتلك هذا النمط القناعة المطلقة بأنه مريض جداً. أما النمط الثاني فيتميز بأنه يحاول الدفاع عن نفسه ضد أي شكل من أشكال التعلق ويتميز أصحابه بالنشاط ومحاولة برهان إمكاناتهم الذاتية وبشكل خاص من خلال النشاطات الرياضية، ولا يستطيعون تحمل كونهم ضعفاء أو مرهقين أو تعبين ويكافحون باستمرار ضد هذه المشاعر. وغالباً ما تقود السلبية والاسترخاء والأدوية المهدئة لديهم إلى تزايد في عدد النوبات. وخلف هذه الارتكاسات غالباً ما تكمن الرغبة بالدفْ الانفعالي والأمان والثقة والخوف من العالم المرعب.

وتتمثل الخطوة الأولى للشفاء من إقرار المريض بأن سبب آلامه يكمن في النفس وأخذ ذلك على مأخذ الجد. فبقاء عصاب القلب بدون علاج يقود في النهاية إلى الاكتئاب . ومن المهم أن يصبح المريض أكثر استقلالية ويتمرن أكثر فأكثر على تحمل مسؤولية ذاته. وهنا يمكن لطبيب متفهم أو لمعالج نفسي أن يقدم المساعدة . وللأسف فإنه مع التقدم الحديث في الأجهزة التقنية الطبية التي غالباً ما يتم استخدامها للبحث عن أسباب عضوية وخصوصاً من الطب العضوي التقليدي يتم تجاهل الأسباب النفسية ومفاقمة التمركز العضوي بلا نتيجة. وغالباً ما تطلق على هؤلاء المرضى عندئذ تسمية مرضى المراق ( التوهم المرضي ) أو المرضى الكاذبين مع تجاهل العوامل النفسية في فهم المرض.

ويمكن لأفراد الأسرة والأقارب أن يساعدوا المريض على الشفاء من خلال اهتمامهم به ومساعدته على تخطي مرحلة الانفصال. ولكن لابد من الحذر هنا من عدم جعله يتعلق بهم من خلال الاهتمام الزائد عن الحد . ومن المهم جداً إتاحة الفرصة للمرضى وخصوصاً الشباب منهم لاختيار طريقهم بأنفسهم وعدم تقييدهم بقيود الأهل ورغباتهم ومساعدتهم على تنمية الاستقلالية خارج المنزل.

ارتفاع ضغط الدم وارتباطاته النفسية

يعتبر ارتفاع ضغط الدم من الارتكاسات الطبيعية على المتطلبات من جميع الأنواع وخصوصاً في المواقف المثيرة والمسببة للتوتر. ولكن الارتفاع المستمر لضغط الدم يحمل معه عواقب وخيمة. ومشكلة ارتفاع ضغط الدم أن المريض لا يلاحظ ذلك على الإطلاق، حيث يشعر على الأغلب بالصحة والعافية. لذلك يغلب أن يتم اكتشاف وجود ضغط دم مرتفع في أثناء إجراء الفحوص الروتينية أو في سياق مرض آخر . فإذا ما تم التأكد بعد سلسلة قياسات مختلفة من وجود ارتفاع في ضغط الدم فلا بد من البدء بالعلاج بسبب الآثار المضرة المحتملة لارتفاع ضغط الدم كتبدل جدران الأوعية أو اضطراب التروية الدماغية التي تسبب الشعور بالدوار وتراجع الذاكرة واضطرابات في الرؤية . كما ويمكن أن يسبب الضغط المرتفع الذبحة القلبية أو السكتة الدماغية. وقد ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن ضغط الدم يرتفع بشكل طبيعي مع التقدم في العمر، غير أن هذه الفرضية باتت اليوم غير صحيحة ، ومن هنا لابد من أخذ ارتفاع الضغط الشرياني في سن الشيخوخة مأخذ الجد وعدم إهماله.

وتتصف شخصية مرضى ارتفاع الضغط الشرياني بأن هؤلاء المرضى يعيشون مع الشعور بأن عليهم توكيد أنفسهم وإثبات ذاتهم. وغالباً ما لا يستطيعون العيش إلاّ تحت ضغط الوقت. وهذا الاتجاه الحياتي لا يتم اكتسابه من خلال التربية فحسب وإنما من خلال مجرى الحياة ككل. وكثير من المرضى يقومون بإخفاء مشاعر كالخوف والغضب والحنق عن المحيطين بهم وبالتالي يسهمون بتضخيم توترهم الداخلي. ويتحررون بشكل مؤقت عندما يتمكنون من تفريغ غضبهم ، إلاّ أن هذا التفريغ غالباً ما يكون عندئذ شديداً لدرجة أنهم يصطدمون بارتكاسات المحيطين بهم ، وبالتالي تزداد سيطرة المريض على نفسه أكثر فأكثر كي لا يصطدم بمثل هذه الارتكاسات . وحتى عندما يكون مفرط النشاط ومستعد للبذل والعطاء فإنه يعتقد أن الآخرين يستغلونه أو أنه لا يلقى الاعتراف المناسب من قبلهم، الأمر الذي يقود إلى ارتفاع شدة الميول العدوانية تجاه الأشخاص المحيطين به.

ويمكن للتوتر والغضب في الأسرة أو مع الزملاء في العمل أن يجعل الضغط الدموي دائم الارتفاع. ويشكل التبديل المستمر لمكان العمل والسكن خطراً إضافياً لارتفاع ضغط الدم مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون ضمن شروط حياتية مستقرة . في كل هذه الأشياء يشعر المريض بالخيبة ويحاول تحقيق تعويض بديل عن خيبته من خلال ازدياد الطعام والشراب . وبالتالي يزداد إرهاق القلب والدورة الدموية وبالتالي خطر الإصابة بالذبحة القلبية.

وبسبب عدم شعور المريض بارتفاع ضغط الدم بالمرض فإنه على الغالب لا يقوم بتناول الدواء بصورة منتظمة. وهذا الأمر على غاية الخطورة فالتناول المنتظم للأدوية يخفف من العواقب الخطيرة لارتفاع الضغط. غير أن الدواء ليس هو الإمكانية الوحيدة بحد ذاتها لتخفيض ضغط الدم فالتغذية الصحيحة المتوازنة والنوم الكافي وتنظيم أوقات الفراغ يمكنها خفض ضغط الدم. كما ويمكن تعلم طرق الاسترخاء الذاتي وطرق سلوكية أخرى تساعد على تخفيض ضغط الدم واستقراره.

البحث عن الأمان والرعاية لدى مرضى القرحة المعدية

تغلب ملاحظة القرحة المعدية والإثنى عشري في أواسط العمر تقريباً وغالباً ما تظهر بشكل مفاجئ أو تعود للظهور بعد مرحلة من الشفاء. وفي القرحة المعدية يشعر المريض بمشاعر الضغط والشعور بالامتلاء بعد الطعام وآلام في المنطقة العليا من البطن بالإضافة إلى التجشؤ و التقيؤ. أما في حالة قرحة الإثنى عشري فتظهر الآلام عندما تكون المعدة فارغة و تشتد الآلام ليلاً، وتتراجع عند تناول الطعام.

وغالباً ما يشعر المرضى بالتعب السريع وآلام في الأعضاء وصداع وأرق. أما الوضع النفسي فيتميز برغبات الأمان المكبوتة والحنين والشعور بالوحدة.

تسهم في الإصابة بالقرحة المعدية عوامل البيئة كالضجيج والعمل في ورديات ومتطلبات الإنجاز المتزايدة ونقص الدفء الانفعالى الإنساني والأمان. إلاّ أنه لدى غالبية الناس يمكن أن يظهر الاضطراب نتيجة وجود استعداد ولادي . فمن خلال فرط النشاط في منطقة البطن والأمعاء يصعب على الطفل الاسترخاء في أثناء تناول الطعام. ويصح هذا بالتحديد عندما لا يراعي الأهل فرط حساسية طفلهم، عندئذ فلن يشعر هذا الطفل بالارتباط بين تناول الطعام والإحساس بالأمان . إن الإحساس بعدم امتلاك الشعور بالأمان ولو لمرة واحدة بشكل صحيح يمكن أن يستمر طوال الحياة ويتجدد باستمرار في أثناء الطعام بالتحديد ومن ثم يتم " ابتلاعه " ثانية …وهكذا.

يتعرض الأشخاص الذين يهاجرون من وطنهم لأسباب مختلفة للإصابة بالقرحة الإثنى عشرية وكذلك الذين يشعرون بالوحدة الشديدة أكثر من غيرهم. ويعيش المرضى في صراع دائم . ففي المهنة يتنافسون مع الآخرين باستمرار على الرغم من أنهم يبحثون في الآخرين عن القرب والتعلق. إنهم يريدون الاستقلالية و مودة الآخرين في الوقت نفسه ويشعرون بأن عليهم دائماً إثبات قوتهم لشريكهم الذي يشعرون بأنهم متعلقون به.

وبالنسبة للشفاء من المرض فإنه من المهم أن يفهم المريض رغباته ويتعلم التعبير عنها أمام الآخرين . وعلى الرغم من أن البذل المهني مرغوب ، إلاّ أنه ينبغي عدم المبالغة به . ولابد للمنافسة المستمرة مع الآخرين من أن تحمل الكثير من الخيبات في طياتها، التي لا يستطيع المريض تحملها ، كما وأن الخوف من فقدان العمل يمكن أن يقود إلى إرهاقات شديدة. وعندما تفشل الوسائل الطبية والحمية في تحقيق التحسن لابد من إعادة النظر في الوضع الحياتي .