التفاعل بين الجسد والنفس
ليس هناك اتفاق حتى الآن حول مصطلح (( النفسي الجسدي )) الذي ظهر في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن على يد المحللين النفسيين الألمان المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية والطب النفسي الأمريكي ، ويوجد حول هذا المصطلح رؤى مختلفة تتمثل في الرؤية التقليدية للطب ، أي بشكل مبسط البحث عن علاقة سبب بنتيجة والرؤية المنطلقة من الوحدة البيولوجية والنفسية والاجتماعية للإنسان. وترى الرؤيا التقليدية للطب أن المرض النفسي الجسدي يتمثل في أنه على الرغم من عدم وجود مرض عضوي محدد فإن المريض يشكو من أوجاع وشكاوى مختلفة ليس لها سبب واضح ( بعد ) ، أو أن العوامل النفسية تسبب بوضوح حدوث مرض جسدي ما ، كالقرحة الهضمية مثلاً. وهي أمراض يمكن معالجتها بالطرق التقليدية للطب كالأدوية وحدها أو بالتدخل الجراحي. فالطب التقليدي من هذه الزاوية يرى أن المرض النفسي الجسدي عبارة عن فئة من الأمراض كأمراض الاستقلاب أو الأمراض المعدية. وقد قادت هذه الرؤية الطب التقليدي إلى أزمة في الربع الثاني من هذا القرن بسبب عجز هذا المفهوم للمرض من الإجابة عن تساؤلات كثيرة ونشوء التحليل النفسي الذي قلب المفهوم التقليدي السائد حول المرض . أما الرؤية الأخرى فتنطلق من كلية الإنسان ، من أنه عبارة عن وحدة تفاعلية بين العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية.إنها تنظر للإنسان ككائن بيولوجي مغروس في شبكة اجتماعية معينة تحدد له في كثير من الأحيان الكيفية التي عليه أن يستجيب بها لإرهاقات وتفاعلات معينة و الطريقة التي عليه أن يمرض بها ويسهم هو كذلك بدوره في هذه التفاعلات من خلال أسلوب استجابته ووفق هذه الرؤيا يؤثر كل اضطراب نفسي أو اجتماعي على الجسد وكل اضطراب جسدي على النفس ولكن ليس بطريقة خطية وحيدة الاتجاه وإنما بطريقة تفاعلية دائرية متشابكة التقاطعات. . وعندما يتم تجاهل أحد هذه الجوانب فإن العلاج غالباً ما لا يقود إلى نتائج مثمرة مهما بلغت دقة التقنية المستخدمة وفاعلية تأثيرها.ومعروفة هي مثلاً التأثيرات المختلفة للمادة نفسها على أشخاص مختلفين. فمن يحقق مكاسب ثانوية مثلاً عن طريق المرض كالحصول على مزيد من الاهتمام والرعاية وتنازل الآخرين عن حقوقهم له فلن تؤثر فيه الأساليب العلاجية التقليدية التي لا تأخذ هذا التشابك البيولوجي النفسي الاجتماعي بعين الاعتبار. كما وهناك تشكيلات أو منظومات اجتماعية وأسرية تحافظ على العرض المرضي من أجل تحقيق توازن معين في المنظومة لأن الشفاء سيولد بلبلة في توزيع الأدوار والتوازنات. ولا توجد حدود بين هذا التفاعل الدائم من ناحية الشخص، ولكن من ناحية المعالج لابد من وجود حدود ضرورية بسبب عدم وجود أي مجموعة مهنية تستطيع الادعاء بأنها تمتلك وحدها الكفاءة اللازمة لمراعاة جميع الجوانب. وهنا ينبغي على من يتعامل مع مثل هذه الأمراض أن يكون على دراية جيدة بحدوده وإمكاناته، سواء أكان طبيباً أم معالجاً نفسياً، وأن يقوم بتحويل المريض الذي يشكو من أوجاع نفسية جسدية كل إلى المتخصص الآخر إذا ما وجد أحدهما أن مساعدته لم تأت بالنتائج المرغوبة.
وهناك رؤية تقول بأن كل مرض هو في النهاية مرض نفسي جسدي، غير أن هذه الرؤيا عبارة عن رؤية أحادية الجانب. فليس وراء كل إصابة بالأنفلونزا مثلاً مشكلة نفسية إذ أن كثير من الأمراض تكون عضوية خالصة كما وأن بعضها يكون موروثاً. وعلى العكس كذلك فإن بعض المشكلات ذات طبيعة اجتماعية - نفسية. والرؤية الكلية للوحدة التفاعلية بين الجسد والنفس وحدها تتيح لنا إمكانية معرفة الحدود التخصصية والطبيعة البيولوجية الاجتماعية - النفسية للأمراض.
وفي الواقع فإن كل مريض يعرف بنفسه فيما إذا كانت شكاواه وآلامه على علاقة بطبيعة حياته أو بعلاقاته المُعاشة. ولا يحتاج المتخصصون سوى إلى تأكيد ذلك له في غالبية الأحيان ( ويتجلى ذلك من خلال جمل وعبارات مثل لقد " طقَّت مرارتي من شدة قهري " " مديري سيسبب لي الجلطة بتصرفاته ") . وفي أحيان أخرى يتمثل دور المتخصص في مساعدة هذا الشخص على إدراك هذه المعرفة و تقبلها. والمؤشرات التي يمكن للمتخصصين وللمريض والأقارب تفسيرها تتمثل في علاقة الشكاوى ونموها بأزمات معينة في الأسرة أو في الحياة الزوجية أو في المهنة بشكل خاص. و انطلاقاً من النظرية المنظومية في فهم التشكيلات الأسرية والاجتماعية والتي تفسر هذه العلاقات بما يشبه نظرية الأواني المستطرقة، أي كل خلل في جانب ما سيقود إلى محاولة التوازن من الجانب الآخر، يتضح اليوم أكثر فأكثر بأن المريض حامل العَرَضْ ليس وحده المسؤول عن مثل هذه الأزمات وليس وحده هو المريض وإنما للآخرين كالأسرة والزوج مسؤوليتهم في المشاركة بذلك أيضاً وأن المنظومة ككل قد تكون مريضة وما المريض إلاّ حامل لعَرَضْ المنظومة ككل وبشكل خاص لدى الأطفال الذين غالباً ما يعبرون عن أزماتهم النفسية الناجمة عن خلل العلاقات الأسرية من خلال الأعراض المرضية التي تهدف إلى تخفيف حدة الصراعات والمشاحنات وإعادة التوازن للمنظومة من خلال الاهتمام بالمرض أكثر من المشكلات. وفي واقع الأمر تشير الدراسات في هذا المجال إلى انخفاض نسب الطلاق وحدة المشكلات النفسية في الأسر التي تمتلك طفلاً مريضاً بمرض نفسي جسدي مزمن على الرغم من أن حدة الإرهاقات والمشكلات الناجمة عن المرض أكبر مما هو الأمر عليه لدى الأسر التي لا تمتلك طفلاً مريضاً . وعلى المعالج هنا فهم هذه الارتباطات، بدون اتهام أي شخص بها وتحميله الذنب . وهذا الشيء بالذات أمر صعب جداً.
ويمكن القول بشكل مبسط أن الأمراض والاضطرابات النفسية الجسدية تنشأ كتعبير عن أن أسلوب الحياة والتفكير السائد حتى الآن عند الشخص لم يعد صالحاً لحل المشكلات الجديدة الناشئة أو لهذه المرحلة من الحياة. إنها تنشأ كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لنمط الحياة المتبع حتى الآن، والخَطِر في كثير من جوانبه بدون أن يعي الفرد خطورة هذا النمط بالضرورة، لأنه ربي على هذا الأسلوب وتعلمه فأصبح جزءاً منه، جزءاً من شخصيته وعاداته. كما و تنشأ نتيجة أسلوب الحياة العصرية التي تجبرنا على قمع انفعالاتنا ومشاعرنا ولا تسمح لنا بالتعبير الصريح عنها إلى درجة لا نعود ننتبه فيها إلى هذه المشاعر وكيفية عملها وتأثيرها فينا، بل وننساها أحياناً لتعود وتعبر عن نفسها بأسلوبها الرمزي وفق مبدأ الحتمية النفسية في التحليل النفسي أو التنافر بين ما هو قائم وبين ما يرغبه الفرد وفق رؤية روجرز. بالإضافة إلى ذلك يعتقد بوجود مناطق ضعف مبرمجة بيولوجياً تسهم في أن هذا الشخص يصاب بصداع وآخر بالقرحة المعدية أو بالتحسس الجلدي وهي رؤيا نادى بها الكسندر في أواسط هذا القرن و تقول بوجود تشكيلات معينة من الصراع تقود إلى أمراض نفسية جسدية معينة وبوجود مناطق في الجسد قليلة الإثارة ومناطق أخرى مفرطة الإثارة محددة بنيوياً . وهناك جدل حول هذه الرؤيا ، غير أن لها ما يبررها بشدة أيضاً. وهناك كذلك عوامل البيئة كالظروف المهنية غير الملائمة والمشحونة بالصراع والظروف السكنية غير المناسبة والعلاقات الأسرية والاجتماعية والظروف الاقتصادية ووجود ملوثات معينة في الأرض والماء و الهواء. ويطلق العلماء على هذا تسمية التسبيب متعدد العوامل.
أما كيف يحصل التثبيت أو تمركز العرض ، أي التجلي الواضح للمرض الجسدي وأحياناً التضرر العضوي الفعلي فذلك يتعلق بالتمسك الأحادي الجانب حول أسباب المرض وبالطرق القديمة من الحلول، أي من خلال مكافحة الأعراض بالأدوية أو بالبحث عن المذنب والتوقعات المبالغ بها التي يحملها المريض تجاه الطبيب صانع المعجزات . كل هذه الأشياء تعيق تحمل المسؤولية الذاتية اللازمة للمريض وللأقارب في البحث عن الحل.