الأثر النفسي للاغتصاب عند الطفلة
تختلف مشاعر المغتصَبة الصغيرة عن المغتصَبة الكبيرة ، فهي لصغر سنها ولعلاقتها بالمغتصِب ، ينتابها في العادة مشاعر ومخاوف مختلفة عن المرأة الكبيرة في السن ، وأول هذه الاختلافات تكمن في الطريقة التي تستخدم في الاعتداء ، فإذا استخدم العنف والقوة في اغتصاب الكبار فان استغلال مشاعر الأطفال واستخدام العطف هو السلاح في الحصول على الأولاد .
وهذا ما أكده علماء النفس والباحثون الذين قالوا : " إن الاعتداء الأول بين المعتدي والطفلة نادراً ما يكون عنيفاً ، يكفي نقلها إلى مكان هادئ بعيد عن الخطر ... والمعتدي عادة يحصل على الضحايا السهلة ، فهو يهجم عادة على الأطفال الذين يعانون من مشاكل عاطفية لأسباب عائلية ، وهؤلاء الأطفال يميلون إلى سماع أحاديث العطف والحنان " .
وإذا تمّ إلقاء نظرة سريعة على عدد الأطفال الذين يعانون من نقص العطف داخل أسرهم نتيجة إهمال قواعد التربية الصحيحة فيمكن أن يُستنتج عندها الصيد الهائل الذي يمكن أن يحصل عليه المعتدون .
-1- مشاعر الطفلة المغتصَبة
تنتاب الطفلة المغتصَبة مشاعر عديدة وخاصة إذا كان الاغتصاب اغتصاب محارم ، إذ أن هذه الطفلة صغيرة وعاجزة عن مقاومة المعتدي ، أما لإحساسها بالخوف منه وإما لحبها الشديد له ، ويؤدي هذا التضارب في مشاعرها إلى إحساسها بالعجز والاستسلام ، ويمكن ملاحظة عدة علامات تظهر على الفتاة ، منها ما يظهر أثناء الاغتصاب ومنها ما يظهر بعد الاغتصاب ، وقبل الحديث عن هذه العلامات لا بد من ذكر مشاعر الفتاة التي تتعرض للاغتصاب من قبل الأقارب أو المعارف وهي تتلخص بالرفض والعجز، فالفتاة ترفض ما يقوم به المعتدي سواء كان المعتدي والدها أو أحد الأقارب ، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تفقده لأنها تحبه ، لذلك فان " مشاعر الرفض والقرف التي تواجه بها الطفلة هذه العلاقة يحل محلها الاستسلام ، إذ تنحدر في أعماق الطفلة مشاعر العجز والقلق، فهي تشعر بالعجز المعنوي والجسدي ولا تقوى على مواجهة الوالد ، فشخصيتها النامية الهشة لا تتجرأ على الاحتجاج بعنف ، خصوصاً أن خطر زنى المحارم لا يكون بعد قد تأصل في أعماقها ، والأب الذي يتوجب عليه أن يغرس هذا الخطر في أعماق ابنته يبرر سلوكه ببساطة " كل الآباء يفعلون ذلك مع بناتهم وهذا أمر عادي جداً " ، ناهيك أن بعض الآباء يلجئون إلى التهديد والوعيد " : إذا تحدثت عما نفعل سأضربك بعنف " ، أو إلى الابتزاز العاطفي: " إذا لم تكوني عاقلة سأزعل منك ولن أحبك أبداً " " .
وتضارب مشاعر الطفلة هو الذي يمنعها في كثير من الأحيان من الإعلان عن الجريمة أو من مقاومة المجرم ، وأقسى ما تشعر به هو الإحساس بالذنب ، وذلك " بسبب مشاعرها العدائية إزاء والدها ، فهي لا تستطيع أن تفهم على الإطلاق لماذا يسلك والدها ( الذي تحبه ) هذا المسلك القاسي والمبتذل ، تجتاحها الحيرة والارتباك كيف يمكن أن تكرهه " .
-2- الأعراض التي تظهر أثناء الاغتصاب
تتنوع المشاعر التي تنتاب الطفل الذي يتعرض للاستغلال الجنسي ، ومن هذه المشاعر : الاكتئاب والرغبة في الانتحار والغضب والخوف والأرق .
-أ- الاكتئاب والانتحار
دلت الأبحاث على أن كل ضحايا الاستغلال الجنسي تقريباً " من الأطفال تظهر عليهم بعض أعراض الاكتئاب بعد الإعلان عن الاستغلال ، وتظهر هذه الأعراض على بعض منهم حتى قبل الإعلان ... وقد يظهر الطفل حزيناً منشغلاً أو منغلقاً على نفسه ، ويمكن للاكتئاب أن يأخذ شكلاً غير مباشر تحت أشكال مختلفة ، مثل كثرة الشكوى ، والإحساس بالضعف أو بالمرض ، وبعض الأطفال يحاول أذية نفسه أو الانتحار " .
-ب- الغضب والعداوة
يشعر الطفل المغتصَب بالظلم ، ولذلك فهو يشعر بالعداوة والغضب ضد كل المحيطين به ، و"على الرغم من أن بعض الأطفال قد يظهرون هادئين ، إلا أن غالبيتهم يشعرون بالغضب تجاه المعتدي الذي اغتصبهم واستغلهم ، وأيضا تجاه الأهل الذين لم ينجحوا في حمايتهم من هذا الاعتداء .
وهذا الغضب قد يكون مكبوتاً وغير ظاهر ومتخذاً أشكالاً مختلفة ، كالاكتئاب أو الأوهام أو التصرفات العدوانية " .
-ج- الخوف
تُلازم الطفل المغتصَب مشاعر الخوف من نتائج الاعتداء الجنسي ، فإذا كان المغتصَب فتاة، فقد تخاف في حال عدم الاستجابة من أذية المعتدي ، أو قد تخاف الحمل ، أو تخاف من المستقبل، وتقول إحدى الضحايا " : في هذه الفترة كان الخوف هو المسيطر ، وفي تحليل الموقف لا أفكر " ما هو جيد " و" ما هو سيئ " ، أفكر فقط ماذا يحصل لي " .
-د- الأرق
من المخاوف التي تنتاب الطفل أيضاً " الخوف من المجرم ، وقد يظهر هذا الخوف بشكل ظاهر ، أو قد يظهر على شكل أرق يتخذ شكل كوابيس " .
وقد تحدثت إحدى الأمهات عن تجربتها الخاصة مع ابنها الذي تعرض للاعتداء ، فوصفت تصرفاته بعد الاعتداء بقولها:
" منذ ذلك الوقت و Gilles جيل كان ضائعاً تماماً ومضطرباً كلياً ، ولا يجلس في مكان واحد ، ويجد صعوبة في التعبير ، وقد تمّ فصله من المدرسة ، ويعاني غالباً من حالات قلق مع أنه كان في الماضي كثير الفرح ، يحب اللعب ، وهو يعيش الآن في خوف دائم من شخص يأتي إليه ليأخذه ، وفي الليل ينام بشكل سيئ ، ويعجز عن النوم ، ويستيقظ صارخاً ، ويعاني من نفس الكوابيس التي تنحصر كلها في الجرائم حول أشخاص يَقْتُلون أو يُقْتَلون ، حول رجال يريدون أن يأخذوه ، خلال النهار يتحدث دائماً عن الموت ... أحياناً يتحدث بصعوبة عما حصل له ، وبالنسبة إليه فهو شيء غير مفهوم ، وهو يتساءل عن السبب الذي دفع الرجل إلي أن يفعل هذا به ؟ وكانت تنتابه نوبات بكاء لا تنتهي ، وكان يصعب علينا مواساته ، كما تصعب علينا محادثته ، وكان يغلق على نفسه الباب ويرفض مقابلتنا ، ويريد أن يكسر كل شيء ، وكانت نظرته إلي العالم نظرة سلبية عنيفة".
هـ- نفسية الضحية بعد النضج
إن أول نتائج اغتصاب الأطفال هو تدمير الشخصية تدميراً كاملاً ، وإحساس الضحية بالدونية ، وبأنه لا حق لها بالحياة وقد أعربت العديد من المغتصَبات عن إحساسهن بالدونية ، وبالعجز عن تخطي المشاكل الاجتماعية وببعض الاضطرابات الجنسية .
-أ-الإحساس بالدونية
من المشاعر التي تنتاب الفتاة بعد تعرضها للاغتصاب هو إحساسها بالدونية وبالذل ، تقول إحداهن : " اليوم ، مضى على افتراقي عن والدي سنة ونصف ، ولا أصدق إلي الآن أني حرة وسعيدة ، سأبلغ التاسعة عشرة من العمر بعد خمسة عشر يوماً ، ولا زلت أخاف من الضحك وأخاف من الفرح ، ويبدو لي أنه لا يحق لي سوى أن استمر في معاناتي من الماضي ، كلما أعطتني الحياة لحظة سعادة ابدأ بالهرب منها ، فكما كنت أهرب من أبي كنت أهرب من نفسي ، ربما خوفاً من اكتشاف نفسي ... لقد قتل الطفلة التي في داخلي ، وقتل المرأة التي يجب أن أكون ، وأنا في وسط ذلك كنت أتراوح بين الطفل والمرأة ، دون أن أتمكن من إيجاد مكاني الخاص " .
-ب- العجز عن تخطي المشاكل الاجتماعية
ينتج عن إحساس الضحايا بالدونية والعزلة البعد عن كل ما يمكن أن يسبب الأذى ، إذ أنهن يعتقدن أنهن تحملن ما يكفي من الأذى ، وأن لا نجاة لهن إلا بالوحدة ، لذلك فإنهن " يعانين كثيراً من المشاكل الاجتماعية ... الضحايا يملن إلى العزلة ، وعلاقاتهن بالأصحاب ناقصة ، وعلاقاتهن الاجتماعية غير مُرْضِية ... العديد منهن كن عدوانيات أو كئيبات ، وبعض منهن تنتابهن أفكار انتحارية ، وبعض آخر يفقدن الثقة بكل الناس " .
-ج- المشاكل الجنسية
من أبرز ما يمكن أن يواجه الطفلة المغتصَبة عند الكبر هو الاضطرابات الجنسية ، من إحساس بالعجز الجنسي ، أو إحساس بالنفور من الجنس بشكل عام .
فالاضطرابات الجنسية إذاً هي من أبرز المشاكل الجنسية التي تواجه الفتاة المغتصبة في المستقبل ، " فقد تصاب المرأة بإعاقة جنسية مستديمة ، فهي تشعر بلامبالاة مطلقة إزاء الرجال ، "جميع الرجال يشبهون والدي " تردد في أعماقها ، إنهن يمارسن الحب ولكن لا يبلغن الذروة الجنسيـــة، وهن يتركن جسدهن للشريك ، ولكنه جسد بلا حياة ، فصورة الجسد عندهن مهشمة ، بل يرغبن أحياناً في التخلص من هذا لاحقاً لشتى أنواع الانحرافات الجنسية وافتقارها للقوى الأخلاقية الضرورية لضبط الغريزة الجنسية ، وكذلك تعرضها للإصابة بالأعصبة النفسية " .
وقد أشار الطبيب النفسي عدنان الشريف إلي " أن سبب مجيء غالبية المغتصَبات إلي عيادته ليس تعرضهن للاعتداء ، ولكن سبب مجيئهن هو المرض العصبي الذي يصبن به بعد فترة من الزمن ، والذي قد يكون من أسبابه حالة الاغتصاب التي تعرضت لها الفتاة في الصِّغَر " .
والاضطرابات الجنسية لا تقتصر على الضحية الفتاة ، إذ أن الضحية الذكر قد يصاب أيضاً بالاضطرابات الجنسية ، حيث أنه قد يميل إلي الشذوذ الجنسي ويشعر بالنفور من المرأة إما لتمتعه بالعلاقات الشاذة السابقة التي مرَّ بها ، وإما لإحساسه بالنقص وبالعجز عن إتيان المرأة