عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 5  ]
قديم 2006-11-16, 8:28 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
(يقول أهلكت مالاً لبداً)

اللبد: هو الكثير المجتمع من تلبد الشيء إذا اجتمع[32].

ومعنى الآية: إنه يقول إنه أنفق مالاً كثيراً، وهو يقول ذاك إما على جهة الافتخار أو على جهة التحسر.

جاء في (الكشاف): "يريد كثرة ما أتفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها، مكارم ويدعونها معالي ومفاخر"[33].

وجاء في (روح المعاني): "أي: يقول ذلك وقت الاغترار فخراً ومباهاة وتعظماً على المؤمنين وأراد بذلك ما أنفقه رياء وسمعة…

وقيل: المراد ما تقدم أولاً، إلا أن هذا القول وقت الانتقام منه، وذلك يوم القيامة. والتعبير عن الإنفاق بالإهلاك لما أنه لم ينفعه يومئذ"[34].

وقد عبر عن الإنفاق بالإهلاك، فإنه لم يقل: (أنفقت مالاً) كما هو الشائع في استعمال القرآن الكريم، واختيار تعبير الإهلاك في هذا الموطن أحسن اختيار وأجمله، فإنه المناسب لجو السورة، وذلك أنه مناسب لجو المشاق والشدائد التي تؤدي إلى الهلاك وتفضي إليه. وهو متناسب مع ما يعانيه الرسول وأصحابه في البد الحرام من الشدائد والمحن التي قد أدت ببعضهم إلى الهلاك كياسر وسمية، ومتناسب مع حسبان الإنسان أن لن يقدر عليه أحد فيهلكه، ومتناسب مع ذكر العقبة التي قد تفضي إلى الهلاك. ومتناسب مع ذوي المسغبة من اليتامى والمساكين وهلاكهم من الجوع إن لم يطعموا، ومتناسب مع خاتمة أصحاب المشأمة التي هي هلاك مقيم.

وعبر عن الإنفاق بالإهلاك لأسباب أخرى غير هذه.

جاء في (روح المعاني): "وعبر عن الإنفاق بالإهلاك إظهاراً لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع فكأنه جعل المال الكثير ضائعاً"[35].

وجاء في (التبيان): "ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله: (أهلكت مالاً لبداً) وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض، فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه، إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكاً له بل تقرباً به إلى الله وتوصلاً به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك له. فأنكر سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقه بها إهلاك له"[36].

فانظر أي اختيار هذا. ثم انظر أيحسن (أنفقت) مكان (أهلكت) ههنا؟

واختيار (اللبد) في الآية مكان (الكثير) اختيار دقيق ذلك أن اللبلد معناه الكثير المجتمع من تلبد الشيء إذا اجتمع.

جاء في (الكشاف): "لبداً قرئ بالضم والكسر جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة"[37].

وهو متناسب مع اجتماع الكفرة لإيذاء الرسول والمسلمين لصدهم عن دعوتهم كما قال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا).

فاجتماع المال في الإهلاك مناسب لاجتماع الكفرة على الرسول لإهلاكه، وإهلاك دعوته وهو حل بهذا البلد.

فانظر حسن هذا الاختيار وعلو هذا التعبير.

ثم انظر جو الاجتماع الذي تفيده كلمة (لبد) وشيوعه في السورة في الوالد وما ولد، وفي العينين، وفي اللسان والشفتين في آلة النطق، وفي النجدين وليس نجداً واحداً فإنه ذكر نجدين ولم يذكر نجداً واحداً كما في قوله تعالى: (ثم السبيل يسره) [عبس] وقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان] وفي تفسير العقبة بجملة أمور، وفي ذكر المؤمنين بصيغة الجمع (الذين أمنوا) واجتماعهم على التواصي بالصبر والمرحمة أي: يوصي بعضهم بعضاً، ثم في اجتماع أهل الكفار في جهنم وإيصاد النار عليهم.

فانظر حسن اختيار كلمة (لبد) ههنا، ثم انظر هل تغني عنها كلمة (الكثير)؟