وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وآباؤه فعلى هذا "أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب"[20].
وقيل: هو كل والد وما ولد من العقلاء وغيرهم " لا يراد به معين، بل ينطلق على كل والد. وقال ابن عباس ذلك. قال: هو على العموم يدخل فيه جميع الحيوان"[21].
وهذا الذي يترجح عندي فهو يشمل كل والد وولده يدخل فيه ما ذكره الأولون ولا يخصهم.
ووجه ارتباطها بالمقسم عليه ظاهر، ذلك أن الولادة مشقة وتعب ومكابدة، فارتباطها بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) بين.
وكما هي مرتبطة بالمقسم عليه في أول السورة هي مرتبطة أيضاً بآخر السورة، وهو قوله: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) ذلك أن الوالد من الأناسي والبهائم، يحتاج في تربية ولده وحفظه وإطعامه والقيام عليه إلى صبر ورحمة. فأتضح بذلك قوة ارتباط الآية بأول السورة وآخرها.
ثم انظر كيف انتقل من الوالد وما ولد إلى خلق الإنسان ـ وهو من جملة الوالد وما ولد ـ فخصه من بين هذا العام لأن مدار الكلام معقود عليه.
ثم انظر كيف قال: (وما ولد) ولم يقل: (ومن ولد) ولذلك أكثر من سبب.
فإن (ما) عامة و(من) خاصة، فإن (ما) تقع لذوات غير العاقل، وتقع لصفات من يعقل، فتقول: (اركب ما تركب) و(آكل ما تآكل) فهي هنا لذوات غير العاقل. وتقع لصفات العقلاء قال تعالى: ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء]. وقال: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) [آل عمران] وقال: (وما خلق الذكر والأنثى) [الليل]. وهو الله سبحانه. وتقول: (زيد ما زيد) قال تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) [الواقعة].
فهي تكون للعاقل وغيره، فهي أعم وأشمل من (من) قال الفراء: "وصلحت (ما) للناس، ومثله (وما خلق الذكر والأنثى) وهو الخالق للذكر والأنثى مثله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ولم يقل: من طاب"[22].
ثم عن لفظها يوحي بالسعة والشمول، ذلك أنهال منتهية بحرف الإطلاق وهو الألف، وهو الذي يمتد فيه النفس بخلاف (من) الذي ينتهي بحرف مقيد، وهو النون الساكنة، فجعل المنتهي بحرف مطلق للمطلق الكثير، والمنتهي بحرف مقيد للقليل المقيد بالعقل.
فجاء بـ (ما) لتناسب العموم والشمول في الآية.
ثم إن هذه الآية مناسبة لجو السورة على وجه العموم، فهي مرتبطة بإطعام المحتاجين في اليوم ذي المسغبة، فإن الوالد يسعى إلى إطعام ولده ويلاقي من أجل ذلك ما يلاقي من مشقة ومكابدة. إن جو السورة تسيطر عليه المكابدة والمشقة والصبر والرحمة وكل ذلك يعانيه الوالد لحفظ ولده ورعايته.
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف يحتمل قوله: (ووالد وما ولد) ما تحتمله كلمة (حل) من السعة في احتمالات المعنى، وكيف يناسب ذلك سعة (ما) نطقاً ومعنى.
(لقد خلقنا الإنسان في كبد).
الكبد: الشدة والمشقة[23]. ومعنى (في كبد) أنه "يكابد مشاق الدنيا والآخرة. ومشاقه لا تكاد تنحصر من أول قطع سرته إلى أن يستقر قراره، إما في جنة، فتزول عنه المشقات، وإما في نار فتتضاعف مشاقته وشدائده"[24].
وقيل: "يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لا يخلو عن أحدهما"[25].
لقد عبر عن هذا المعنى بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ولم يقل: (يكابد) أو (مكابداً) ونحو ذلك، ذلك أن (في) تفيد الظرفية والوعاء. ومعناه: أن الإنسان خلق مغموراً في المشاق والشدائد والصعاب منغمساً فيها كما ينغمر الشيء في الماء، وكما يكون الشيء في الوعاء. فالشدائد والمشاق تحيط بالإنسان لا تنفك عنه إلى أن يموت. وبعد الموت إما أن يجتاز العقبة، فيدخل الجنة فتزول عنه الشدائد والمصائب، وإما أن لا يجتازها فيبقى في المشقات والشدائد أبد الآبدين منغمراً في النار وهي أكبر الشدائد وأعظمهن.
ومن معاني (الكبد) أيضاً القوة والشدة والصلابة.
جاء في (لسان العرب): "وكبد كل شيء عظم وسطه وغلظه كبد كبداً وهو أكبد، ورملة كبداء عظيمة الوسط… والكبداء: الرحى التي تدار باليد، سميت كبداء لما في إرادتها من المشقة. وفي حديث الخندق: فعرضت كبدة شديدة وهي القطعة الصلبة من الأرض. وأرض كبداء وقوس كبداء: أي شديدة"[26].
وهذا المعنى من لوازم المعنى الأول، فإن الذي خلق مكابداً للشدائد والمصائب متحملاً مشاق الدنيا لا بد أن يكون خلق مستعداً لذلك قوياً عليه شديد التحمل له.
إن هذه الآية هي جواب القسم الذي تقدم، فقد اقسم بالبلد الحرام في وقت حلول الرسول الأعظم فيه، وأقسم بالوالد وما ولد على أن الإنسان خلق مغموراً في الشدائد والمشاق.
والسورة كلها مبنية على هذا الأمر، فهي مبنية على مكابدة الإنسان للشدائد والمصائب والمشاق. وكل لفظة وكل تعبير في هذه السورة مبني على ذلك ويخدم هذا الشيء.
أما ارتباط القسم بالجواب، فهو واضح فقد ذكرنا ارتباط قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد) بهذه المكابدة وكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقى ما يلقى من قومه من مشقة وشدة وهو يبلغ دعوة ربه وفي هذا إشارة إلى أن الدعاة ينبغي أن يوطنوا أنفسهم على المكابدة والصبر، وتحمل المشاق، فإن هذا من لوازم الدعوة إلى الله تعالى، فقلما يكون الداعية في عافية من ذاك. قال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت].
والفتنة مشقة كبيرة وشدة بالغة، نسأل الله العافية. وعلى الإنسان