الصحابة عندما كانوا أطفالاً (2)
عزيزي المربي:
لقاؤنا اليوم معك مع طفل فصيح بليغ، طفل من الصحابة نحي طفولته التي كانت في الجاهلية نلتمس منها الفوائد والعظات .. نحن اليوم مع:
* عثمان بن عفان في صغره:
لما كان صغيرًا كان الأطفال في الحي ينادونه وهو يلعب فيقولون: يا بن عفانٍ، بتنوين نون عفان, فيغضب ويتبعهم يضربهم حتى يقولوا: يا بن عفانَ بفتح النون (عفان) فيرضى.
كان وهو صغير ورفاقه الصغار يفهم ويفهمون أنه لو نونت نون (عفان) فمعنى ذلك أن اسم أبيه (عفان) مشتق من (العَفَنْ) وهو الفساد، فساد الخبز والأطعمة وكل شيء.
لكن إن منعوا (عفان) من الصرف، ولم ينونوه ولم يجروه بالكسرة وفتحوا نونه في الجر، فمعنى ذلك أن الكلمة مشتقة من العفة، ويكون معنى اسم أبيه "العفيف جدًا" فهو ابن العفيف جدًا، وكذلك هو.
لكن الأطفال كانوا يغيظونه ويلعبون معه ويمازحونه، فيضربهم حتى يقولوا "يا بن عفانَ" ويشهد لأبيه بالعفة، لا العفن.
كانوا فصحاء, وكان عثمان رضي الله عنه منذ صغره منتظرًا لأن يكون ثالث الخلفاء الراشدين، الشهيد، جامع القرآن، صهر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه الحادثة من الآيات، فإن جامع قرآننا على مصحف واحد، والمشرف على قراءته وسلامته كان من الفصاحة والقوة اللغوية بحيث كان يفطن منذ طفولته للقواعد العالية الدقيقة في لغة العرب, رضي الله عنه وأرضاه.
تأملات تربوية:
1ـ الأطفال يلعبون مع بضهم البعض ويتمازحون, وهذا يشير إلى أهمية اللعب بالنسبة للطفل حتى يفرغ الطاقة التي بداخله, وإلا سيحصل له نوع من الكبت المضر، فكبت الأطفال وحبسهم عن اللعب والمرح والمزاح يجعلهم أكثر انطوائية وانعزال عن المجتمع وأقل قدرة على التعامل مع المجتمع بصورة فاعلة ومؤثرة، كما أن اللعب ينمي ذكاء الطفل ويبرز مواهبه ويقوي بدنه ويكوّن شخصيته, فاجعل لطفلك ولو يوم واحد في الأسبوع نزهة برية, أو رحلة خلوية, يعلب فيها الطفل ويمرح، اجعل هذا اليوم أساسيًا في برنامجك الأسبوعي, ولا تنشغل عنه بالعمل, فإن لطفلك ولأهلك عليك حقًا.
2ـ لعلك لاحظت أخي المربي غيرة عثمان رضي الله عنه على أبيه وحميته الرائعة ودفاعه عن اسم أبيه وصونه عن التحريف حتى الضرب، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة جأشه وقدرته على الدفاع عن نفسه إذا ألم به أمر أو نزل به خطب, فهذا عثمان الطفل يدافع عنه نفسه بعكس غالب أطفالنا اليوم يُضرب ويسب أبوه أمامه ولا يفعل شيئًا سوى أن يبكي أو أن يشتكي أو أن يحزن، وهذه ليست دعوة لإشعال نار العراك بين الأطفال, ولكنها دعوة لغرس الحمية والرجولة في نفوس الأطفال وقتل الميوعة والانحلال الذي خيم على المدارس وأوساط تجمع الأطفال، فتجد السب واللعان يجري على ألسنة الأطفال هنا وهناك بصورة شنيعة يندى لها الجبين، وتجد الطفل الصغير الذي لم يدخل المدرسة يقلد أقرانه الكبار, وتسمع منه كلمات لاذعة وشتائم قاتلة ولا حول ولا قوة إلا بالله, وعلى الناحية الأخرى, تجد ذلك الطفل المستضعف الخائف المرتجف في ركن من الأركان ينزوى حتى لا يراه أحد فيعاقبه أو يسبه ويضربه.
عزيزي المربي:
علينا إذن أن نحسن أخلاقنا حتى تحسن أخلاق أطفالنا، وعلينا أن نختار لأطفالنا الصحبة الصالحة سليمة اللسان عفيفة عن السب واللعان.
فصاحة الأطفال لا تعدلها فصاحة:
مقارنة بأطفالنا اليوم الذين يتتعتعون للأسف في اللغة العربية, بل ربما يتقنون اللغات الأخرى أكثر من العربية, وهذا لأن الآباء دفعوا أبناءهم إلى المدارس الأجنبية بحجة أنها لغة العصر, وأن من تعلم لغة قوم أمن مكرهم، وأهملوا تعليم أبنائهم اللغة العربية, لغة القرآن.
أخي المربي:
حن لا ننفي أهمية تعليم أبنائنا اللغات الأخرى تحت هدف (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم) وتحت شعار المسلم قوى حيث كان وقادر على تعلم كل شيء وإتقانه ليرفع رأس الإسلام عاليًا في كل مضمار.
ولكن لا يكون هذا على حساب تعلم أبنائنا اللغة العربية وآداب الإسلام فلا نفرق في الفرع ونهمل الأصل , فلا نتخلى عن آدابنا وتراثنا وأخلاقنا ونتمسح بآداب وأخلاق وتراث الغرب, فإنك أخي المربي تجد كثيرًا من الآباء يعلمون أبناءهم كل الآداب ولكن على الطريقة الغربية وبلغة الغرب، فتعجب عندما تجد الطفل العربي المسلم يدخل على الناس فيقول بلسان الأعاجم (هاي) أو يخرج فيقول (باي) أو (صباح الخير) أو (مساء الخير) أو (بونجور) أو (بونسوار) وإذا أخطأ قال (sorry) وإذا قدم أحد إليه معروف قال: (Mersi), نسينا أن نعلم أبنائنا (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته), أهملنا تعليمهم (جزاك الله خيرًا), أهملنا تعليمهم كلمة (أبي وأمي).
أخي المربي:
اعتز بحضارتك حضارة الإسلام وعلم طفلك أن يعتز بها وانفض عنك وعن طفلك غبار الثقافة الغربية، ولك في الأندلس خير شاهد ينطق أن الإسلام هو الذي لا يُعلى عليه.
فلا بد أن يكون لنا قدوة في طفولة الصحابة رضوان الله عليهم فهذا عثمان بفصاحته وبلاغته التي تربى عليها حفظ لنا القرآن , فماذا فعل أطفالنا بتعلمهم اللغات الأجنبية إذن , هل فتحوا القسطنطينية بتعلمهم لغة أسبانيا أم فتحوا روما بتعلمهم الإيطالية إن كان كذلك فنعم التعلم، ولكن للأسف الحقيقة بعيدة عن هذا الخيال، فلقد تركوا القرآن ولغته وتتعتعوا فيه كما يتتعتع الأعاجم.
من اطلاعاتي