[SIZE="4"]باسمك يا رقيب نحيى[/SIZE]
الله شاهدي.. الله ناظري.. الله رقيباً علىَّ. من ذا الذي يراقبك فيجعلك تُحسن وتتقن فى عملك أكثر من شعورك أن الله سبحانه وتعالى معك فى كل مكان؟
عشنا الثلاثين يوما من رمضان مع أسماء الله الحسنى لكني أحب اليوم أن أختم بأشياء مختلفة ألا وهى قراءة قصيدة جميلة جداً وهذه القصيدة بها ذكر لعظمة الله سبحانه وتعالى فى الكون، وبها ذكر لكل ما قلناه فى الحلقات السابقة، ثم نتبع هذا الكلام عن الجنة وكلام الله سبحانه وتعالى فيها لنا فاسمع ما الذى تقوله القصيدة:
لله فى الآفاق آياتٌ لعل أقلها هو ما إليه هداكَ
ولعل ما فى النفس من آياته عجبٌ عُجاب لو ترى عيناكَ
والكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيراً لها أعياكَ
قل للطبيب تخطفته يد الردى.. من يا طبيب بطبه أرداكَ؟
قل للمريض نجى وعوفيَّ بعدما عجزت فنون الطب.. من عفاكَ؟
قل للصحيح يموت لا من علة.. من بالمنايا يا صحيح دهاكَ؟
قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها.. من الذى أهواكَ؟
بل سائل الأعمى خطى بين الزحام بلا إصطدام.. من يقود خطاكَ؟
قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى.. من الذى يرعاكَ؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة.. ما الذى أبكاكَ؟
وإذا ترى الثعبان ينفُث سمه فسأله.. من ذا الذى بالسموم حشاكَ؟
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكَ؟
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهدا، وقل للشهد من حلاكَ؟
بل سائل اللبن المُصفى كان بين دمٍ وفرثٍ.. من الذى صفاكَ؟
وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا ميت فاسأله من يا حي قد أحياكَ؟
قل للنبات يجف بعد تعهُد ورعاية.. من الذى بالجفاف رماكَ؟
وإذا رأيت النبت يربوا فى الصحراء وحده فاسأله من أرباكَ؟
وإذا رأيت البدر يسري سارياً أنواره فسأله من أسراكَ؟
وإذا رأيت شعاع الشمس يدنو وهى أبعد كل شىء.. من الذى أدناكَ؟
سيجيب ما فى الكون من آياته عجبٌ عُجاب لو ترى عيناكَ..
يا أيها الإنسان مهلاً ما الذى بالله جل جلاله أغراكَ؟
الله يا إخوانا.. الله سبحانه وتعالى. وأريد أيضاً أن أختم بهذا الحديث الجميل ألا وهو: يقول النبى صلى الله عليه وسلم –والحديث يرويه ابن القيم بلسان الحال من تجميع أحاديث عند لحظة لقاء الله عز وجل- فيا من ستحيوا بأسماء الله تعالوا نتخيل ونحن نقف بين يدى الله تبارك وتعالى وقد غفر لنا ورضى عنا ودخلنا الجنة، ينادي الله تبارك وتعالى أهل الجنة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد بيضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة؟! فيقول الله تبارك وتعالى: بقى شيء يا أهل الجنة، فيقولون وما هو يا رب، فيقول الله تبارك وتعالى: أرضى عنكم فلا أسخط عليكم بعدها أبدا، قد رضيت عنكم يا أهل الجنة. فيناد مناد فى أهل الجنة: حى على زيارة الرحمن، فتعد لهم النجائب حتى إذا وصلوا إلى مكان ينصب لهم منابر من فضة ومنابر من ذهب ومنابر من نور ومنابر من لؤلؤ، كل على قدر عمله، فيجلسون على هذه المنابر فبينما هم كذلك يشرق لهم نور من فوقهم فيظنون أنه الله سبحان الله وتعالى، فيناديهم الله تبارك الله وتعالى: يا أهل الجنة سلام عليكم فيردون: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام -ومن أجل هذا نقول فى ختام الصلاة مثل هذا القول لأننا كنا فى لقاء مع الله ونحن نصلى فيذكرنا فى ختام الصلاة بما سنقوله يوم نلقاه- فيناديهم الله تبارك وتعالى: "يا أهل الجنة -تخيل نفسك وأنت تقف هناك بعدما تعبت فى الدنيا وبذلت وعملت وعبدت وتحريت ليلة القدر- فبينما هم كذلك فيناديهم الله تبارك وتعالى: يا أهل الجنة أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يرونى -وتخيل نفسك وأنت ترفع يديك وتقول: أنا يارب.. أنا اطعتك بالغيب ولم أكن أراك – فيقول الله تبارك وتعالى: اليوم يوم المزيد فسألوني يا أهل الجنة.. ما الذى تشتهيه أنفسكم، فيجتمعون على كلمة واحدة أن ارضى عنا يا رب، فيقول لهم الله يا أهل الجنة إني لو لم أرضى عنكم لما أسكنتكم جنتي ولكن إسالوا شيئا آخر، فيتفقون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليك - تخيل هذه اللحظة العظيمة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (القيامة:22)، (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23)، تخيل قول النبى صلى الله عليه وسلم "إنكم سترون ربكم كما ترون البدر فى ليلة التمام". أرنا وجهك ننظر إليك فتُكشف الحجب فينظرون إلى الله عز وجل.. فما أعطوا لذة منذ خلقوا أحب إليهم من النظر لوجه الله الكريم حتى يذهلوا عن الجنة، وما منهم من أحد إلا ويحاضره ربه محاضرة -وكلمة محاضرة تدل على أنه كلام طويل- يقول له يا فلان اتذكر ذنب كذا وذنب كذا فيقول العبد يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول له الله بلى فبمغفرتى بلغت منزلتك هذه.. ثم يقول الله تبارك وتعالى يا فلان - تخيل الله تبارك وتعالى يناديك باسمك يا فلان- تمنى واشتهى فلن تتمنى اليوم شيئاً إلا واعطيتك إياه فيتمنى العبد ويقول يا رب أريد كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأمانى يقول الله تبارك وتعالى له أنك نسيت أن تتمنى كذا فيذكره بأمنيات لم يتذكرها العبد، ويسأله أفلا تشتهى كذا؟ أفلا تحب كذا؟ حتى يستحي العبد من الخجل لكثرة العطاء فيقول له الله تبارك وتعالى يا فلان: إنى راض ٍعنك فهل أنت راضٍ عني؟ والآن هل علمتم معنى قول الله تبارك وتعالى: (... رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ...ُ) (البينة:8). اذهب يا عبدي وخذ ما تشتهي من الجنة. تخيل وأنت تنظر إلى ربك بالغداة والعشى وتعيش كذلك حياة أبدية لا نهائية، وسقف بيتك عرش الرحمن، وجارك النبى، وأصحابك أبو بكر وعمر وعثمان والأنبياء، وتعيش منعماً خالداً مخلداً وأنت فى الثلاثة والثلاثين من عمرك، وتعيش وسط أهلك وأحبائك فى جوار رب العالمين سبحانه وتعالى، تخيلوا يا جماعة أنكم ستسمعون بينما أنتم داخلين إلى الجنة على بابها: "إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تحزنوا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا" هل رضيتم يا أهل الجنة؟ (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (قّ:35).
يا إخوانا ختام البرنامج هو أنه إذا عُرف الآمر سهلت الأوامر، لو أنك احببت الله وأطعته وعشت من أجله ستصبح كل الدنيا سهلة، فاذهبوا إلى الله وعيشوا له وقولوا باسمك نحيى وأحيوا الناس بأسماء الله الحسنى. لو أنك عرفت الودود فتودد له، ولو أنك عرفت العزيز فلا تذل نفسك لأحد وساعد المذلول أن يصبح عزيزا مرة أخرى، ولو أنك عرفت اسم الله الرقيب تكفيك رقابته عليك حتى تتقن عملك وتحسنه، ولو أنك عرفت اسم الله الشكور ستملأ الأرض عطاءً وخيراً، ولو أنك عرفت اسم الله الولى ستتولى قريتك أو فقير أو يتيم أو محتاج، ولو أنك عرفت اسم الله الجبار لن يمكنك أن تتكبر على بنى آدم، ولو أنك عرفت اسم الله القهار (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى:9).
باسمك نحيا.. بعد أن انتهى البرنامج نريد أن نحيى فى الأرض، نريد أن لا تغادر أسماء الله الحسنى قلوبنا ولا تغادر حياتنا، نريد أن نعيش بها ونموت بها ونحشر على لا إله إلا الله وندخل الجنة ممسكين بأيد بعضنا البعض.. عرفناك بأسمائك الحسنى وعشنا بها يا رب العالمين.. ونسعد برؤية الله عز وجل.. وقد كان هذا برنامج باسمك نحيا.
.................................................
Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع