يجعل ما قصمت به نعمة:
ومثال على ذلك، عندما وكز سيدنا موسى الرجل فقضى عليه فقتله وكان نتيجة ذلك أن خرج من مصر، وهذة كَسرَة شديدة تحولت إلى قمة النعمة، حيث أن العشر سنوات تلك هي التي أهلته للنبوة. ومثال آخر، أنه كان هناك رجلاً ليس متديناً وله من الأولاد اثنان، وكانت تملأ حياته السخرية من الناس والضحك والنكات والهزار. كان يذهب لعمله وكان يحب أولاده ولكنه لم يكن مهتماً بهم إلى درجة كبيرة. وذات يوم وجد رجلاً كفيفاً يمشي في الشارع، فسخر منه وسار بجانبه يقلده لِيُضحِكَ الناس عليه. من المؤكد أن هذا الكفيف قد كُسِر. وبعد عدة أشهر من هذا الموقف، أنجب طفلاً كفيفاً وكُسِر هذا الرجل! يُجبر الله كَسر من ظلمته، فيقصمك وربما بنفس ما اقترفت! ولاحظ أنه قد يتحول إلى نعمة! بعدما أنجب هذا الرجل الطفل الكفيف، اكتئب لشهورٍ عدة، ثم انتهت علاقته بهذا الطفل! اهتم بطفلاه الآخران وترك تربية هذا الطفل الكفيف لأمه مع إعطائها نفقاته، فلم يرد أن يشغل باله به ولكنه كان يشعر بالإنكسار داخله وأن هذا الطفل بمثابة عذاب بالنسبة له، فكان يتجاهل هذا الأمر. ومع نمو الطفل، لم يرد الرجل الإحتكاك به وأصبح بينهما حاجز نفسي شديد حتى بلغ الطفل ست سنوات.
وفي يوم من الأيام، خرجت الأم مع أبنائها الكبار ووجد الأب نفسه وحده بالبيت مع هذا الطفل الكفيف. وقال الطفل لأبيه، "يا أبي، اليوم هو يوم الجمعة. هلا اصطحبتني إلى المسجد؟"
اندهش الرجل عندما علم أن ابنه ذو الست سنوات يصلي ويريد أن يذهب إلى المسجد. فقال له الرجل، "من أخبرك أن عليك الذهاب إلى المسجد؟ "قال له الولد، "أمي تصحبني أحياناً إلى هناك". فقد كانت أمه سيدة متدينة. وأخذ الأب الطفل قال الرجل لابنه، "سأصطحبك إلى المسجد". شعر الرجل أن معه شيخ كبير يعلمه. قال الطفل لأبيه، "يا أبي، سأتلو عليك سورة الكهف". فبدأ الولد في القرآءة وبدأ الأب في البكاء فعرف الله! فتحول ما كُسِر به إلى قمة النعمة. تَظلم فيقصمك فتنكسِر فتلجأ إليه فيحول ما كُسِرت به إلى نعمة.
الجبار يوم القيامة:
أصعب موقف يوم القيامة هو يوم ينادى على البشر للعرض على الله سبحانه وتعالى. تخيل أنه ينادى على كل شخص يومئذٍ: "فلان بن فلان" وأن الملائكة ستأخذك الآن وأنك ستقف بين يدي الله، ليس بينك وبينه ترجمان وستتعرف عليك الملائكة من شدة قلقك وخوفك، وينادى، "فلان بن فلان، هلم للعرض على الجبار!" ينادى باسم الله "الجبار" هنا لأنك في الدنيا كنت إما منكسِر أو ظالم. وتخيل وقفتك بين يدي الله وحقوق الناس! يا من ظلمتم الناس، هل سوف تستطيعون الخلود إلى النوم الليلة؟ يا من ظلمتِ سيدة ما وشهرتِ بها، يا من تضربين خادمتِك كل يوم، يا من استوليت على حق فلان، هل سوف تستطيع الخلود إلى النوم الليلة؟ أريدك أن تتذكر ورأسك على الوسادة اليوم، "فلان بن فلان، هلم للعرض على الجبار!" وتخيل أنك تقول لله، "يا رب، كما جبرت بخاطري في الدنيا، اجبر بخاطري في الجنة، اجبر بخاطري يوم القيامة" فيجبرك،
نوع آخر من الجبر:
وهو "جبر العُبَّاد" أي أن يكون شخص متحمس للعبادة في رمضان مثلاً وينوي ختم القرآن مرتين وأداء صلاة التراويح في صلاة الجماعة في الصف الأول، وفجأة يثقل بعمله أو يصاب بمرض، فيحزن ويبكي ولكن يجبر الله بخاطره ويعوضه. ومثال آخر، حيث قال سيدنا موسى، "...قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" سورة الأعراف رقم الآيات 143، فقد طلب سيدنا موسى نوع من العبودية ولكنه لم ينفذ. وتليها الآية، "قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ" الآية رقم 144. إن لم تحصل على هذا الطلب فسوف تحصل على شيء آخر وهو أن تكون "كليم الرحمن". إن حُرمت من عبادة، فسوف يجبر الله العُبَّاد بمنحهم عبادة أخرى.
أكثر الناس جبراً لخواطرهم من الله:
هم الوالدين، فإياك أن تكسِر بخاطر أبيك أو أمك أو تدمع أعينهم أو تحمر وجوههم أو تنكسِر قلوبهم! ولذلك وردت كلمة "جبار" مرتين في القرآن على الوالدين على الحذر من أن تكون جباراً عليهم؛ مرة على لسان سيدنا يحيى في قوله، "وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً" سورة مريم الآية رقم 14، ومرة على لسان سيدنا عيسى في قوله، "وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً" سورة مريم الآية رقم 32
صور عديدة لجبر الله لخاطرك:
يجبُر بخاطرك بأن يقبل توبتك، يجبر بسنن الصلوات عن النقص في الفرائض، يجبر عثرات المؤمنين عندما يخطئوا فيسامحهم ويعفوا عنهم لسابق إحسانهم، يجبر بخاطر الأمة عندما كسرها التتار ويدخل التتار في الإسلام، يجبر بخاطر العبيد ويجعل كل شخص يخطىء يُحَرِر عبد حتى يتحرر العبيد، يُجبر بخاطر الخدم فيقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "أطعموهم مما تطعمون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون"، يجبر بخاطر المرآة: "رفقاً بالقوارير" ويجعل لهن نصيب في الميراث لم يكن لهن إياه قبل الإسلام، يُجبر بخاطر اليتامى: "إخوانكم في الدين"، ويُجبر بخاطر من يُجبر بخاطر اليتامى ويقول النبي: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة".
الواجب العملي:
1.إذا كنت مظلوماً، الجأ للجبار واسجد بين يديه وقل له، "اجبر بخاطري يا رب". عهد على كل من سمع هذة الحلقة أن يرويها لغيره. اجعلوا الناس يتعرفون على الله.
2.إذا كنت ظالماً، أقسمت عليك أن تذهب الليلة لمن ظلمته حتى يرضى عنك قبل أن يقصمك الله سبحانه وتعالى سواء كان خادم أو ساعي أو زوجة.
3.اجبر بخاطر شخص حتى يوم غد، ابحث عن مسكين أو اذهب لملجأ أو مستشفى، اجلب معك هدية، ابن خالك محتاج رعاية، ابتسم في وجه فقير، امسح على رأس يتيم، إلخ... لكي تقول لله يوم القيامة، "جبرت بخاطر فلان، فاجبر بخاطري" ولكي يعرف كل الناس أن هذا الدين لإصلاح الدنيا وليس عبارة عن روحانيات فقط.
.................................................. ......
Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة
يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كانت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخري فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع