ولنا في التسمية الرومانية “البرابرة” التي تطلق على من هم غير رومان، والتسمية العربية “الأعاجم” التي تطلق على غير الناطقين بالعربية، وفي التسميات الشائعة مثل “القراصنة” و”المخربين” التي تطلق على من يقاوم هيمنة الدول الغربية على الشواطئ والمدن، أدلة على ما نذهب إليه. وحين نقرأ ما كتبته الأمم الأخرى عن الكنعانيين، وبخاصة اليونان والرومان، نكتشف كيف يشوه الصراع اللغة والفكر، وكيف يظل التشويه ماثلاً في اللغة لأحقاب طويلة حتى بعد زوال الصراع وأسبابه. إن اللغة ليست مرآة تعكس الوجود بقدر ما هي تمثيل له يخضع للرغبات والأهواء. وهذا هو سر الكتابات المبالغة في عدائها التي نجدها في المصادر الغربية للكنعانيين العرب، باستثناء شهادات نادرة “تشهد لهم بالتمكن في السلم والحرب، والإبداع في الفنون كتابةً وأدباً، والامتياز في الملاحة والحروب البحرية وفي إدارة أعمال الإمبراطورية”.
ليس غريباً إذن القول إن الباحث الغربي يرث مع ولائه لتراثه الثقافي ما عكسه هذا التراث من صراع وانحياز، وهو ما نلمسه وراء ما يطلق عليها نزعة “المركزية الأوروبية”، أي الانطلاق من أن أوروبا هي مركز العالم، وبالتالي لا يمتلك شيء وجوداً أو اسماً إذا لم ينسب إليها، أو إذا هي لم تسمه. ولم يأت هذا بسبب مواقف في السياسة المعاصرة فقط، بل وبسبب هذا المشهد التاريخي الحافل بالصراع وتداول الأيام بين الشعوب طول الستة آلاف عام الأخيرة، وتحديداً منذ انتهاء العصر المطير في المناطق المعتدلة وانحسار الجليد عن المناطق الشمالية، فقد كان هذا إيذاناً باكتظاظ البحر المتوسط بالأجناس والثقافات والسفن، وتحوله إلى شريان حيوي لا بد لكل توسعي من جعل السيطرة على موانئه هدفاً إستراتيجياً.
الكنعانيون بين الرومان واليونان:
من هذا المنطلق ربما ظل اليونان، والرومان من بعدهم، يستخدمون كلمة “فينيقي” و ”بونيقي” بإصرار انسجاماً مع مواقفهم المعادية تجاه المنافسين الكنعانيين. ونعتقد أن هذه التسمية التي حافظوا على استخدامها كانت تحمل دلالةً معينة في لغتهم، قد تكون دلالة احتقار أو ازدراء للحط من مكانة الكنعانيين. وهذا ما يوحي به إصرار ذلك الكنعاني على تأكيد هويته بعد ستة قرون من تدمير قرطاجنة وانحسار المد العربي أمام هجوم الإمبراطوريات الهندو/ أوروبية من الشرق والغرب.
و ما زلنا نرى الناس حتى عصرنا الراهن يطلقون الألقاب والصفات بعضهم على بعض ساخرين أو معادين أو ممجدين على حد سواء، وكذلك تفعل أجهزة الدول الإعلامية في حروبها حين تحاول طمس الحقيقة بما فيها التسمية الصحيحة لشعب من الشعوب أو قوة من قواه. ولعل في الأمر أثراً من آثار العقلية الأسطورية التي تربط بين الشيء واسمه الذي يدل عليه، ففي هذه العقلية يعني ذكر الاسم الحقيقي حضوره المادي الملموس وليس المعنوي فقط، وأفضل طريقة لتجنب هذا الحضور الذي قد يكون مؤلماً هي إخفاؤه أو استخدام اسم زائف يشير إليه ولكنه يمنعه من الوجود.
ما نرجحه إذن هو أن إطلاق اسم “الأحمر” أو “الأرجواني” أو “الأسمر” على الشعب الكنعاني لا يختلف في دوافعه عن إطلاق اسم “السوداء” على شعوب القارة الإفريقية، واسم “الصفراء” على شعوب شرقي آسيا في الزمن الراهن، وتجاهل أن هذه الشعوب تمتلك أسماء وحضوراً، وهي ليست مجرد لون أسود أو أصفر: إنها دوافع صراعية الطابع وعدوانية في جوهرها.
نحن نعرف أن الكنعانيين، وقبل أن يفجر الرومان الصراع ضدهم طامعين في أهراء القمح والمناجم والعبيد، واجهوا اليونان ونفوذهم في البحر المتوسط متحالفين مع شعب “أتروريا” القديم في إيطاليا، شعب “رسنو” أو “الأتروسك” كما هو شائع، وهو شعب ظهر ككيان حضاري (زراعي وصناعي وبحري) حوالي 900 ق.م لمدة خمسة قرون، وهو الذي ورث الرومان منجزاته وعواصمه وهندسة طرقه. فبعد إنشاء قرطاجنة (حوالي القرن الثامن ق.م) بدأ ازدهارها يواجه الضغوط اليونانية حين اتجهت غرباً وشمالاً.
ومن نتائج هذه الضغوط خاض أسطول كنعاني- أتروسكي مشترك معركة بحرية ضد اليونان بالقرب من “العالية” في سردينيا. وشارك الكنعانيون الفرس معركتهم مع اليونان في “سلاميس”. وامتدت المراكز الكنعانية على طول ساحل إفريقيا الشمالي، ومن هناك انطلقت رحلات “حنو” و”حملكو” حول إفريقيا ونحو بحر الشمال، ولتبدأ مرحلة ازدهار أمسك فيها الكنعانيون بشريان التجارة عبر المتوسط وما بعده، وليخوضوا فيما بعد صراع المائة وثماني عشرة سنة ضد روما.
مستوطنات كنعانية شرق إفريقيا:
إذا كان من المؤكد أن اسم “فينيقي” لم يستخدم خارج إطار كتابات اليونان والرومان، فمن المؤكد أيضاً أن هذه الكلمة لا أثر لها في أي نص من نصوص الحضارات العربية القديمة أو الحضارات المجاورة لها في فارس والهند وآسيا الصغرى. هناك تسمية لهم لدى قبيلة “الزولو” التي تنتمي إلى شعب “البانتو” المنتشر في شرقي إفريقيا وجنوبها.
فوفق رواية طبيب ساحر من أطباء الزولو جاءت في كتاب له نشر في سبعينات القرن الماضي تحت عنوان “شعبي”، توجد أدلة مستقاة من رسوم الكهوف ومما يحتفظ به سحرة القبائل من دروع وسيوف ومن الروايات الشفهية المتداولة تشير إلى أن الكنعانيين وصلوا إلى شرقي إفريقيا وأقاموا مستوطنات لاستثمار مناجم الذهب، وأطلق عليهم السكان المحليون اسم “مال تي” أي القادمين من “تي”، وتتطابق هذه الرواية جزئياً مع الرحلة الفرعونية في عهد الفرعون “نكو” (609- 593 ق.م) حول سواحل إفريقيا الشرقية بسفن قادها الكنعانيون.
إذن أين نجد كلمة الكنعانيين؟
إننا نجدها بالطبع في الترجمة “السبعونية” للتوراة، ولكن الوثائق التاريخية هي التي يمكن الركون إليها وليس هذا النص الذي تشوب ترجمته وفك طلاسم لغته العبرية القديمة التباسات لا حصر لها. ومن هذه الوثائق السجلات الفرعونية التي ترجع إلى 3000 عام ق.م، والتي تحدثت عن رحلات تجارية بين أرض رتنو (مصر القديمة) وجبيل الكنعانية.
إلا أن ما يؤكد أقدم استخدام لاسم الكنعانيين هو ألواح تل العمارنة المصرية التي ترجع إلى القرن الرابع عشر ق.م. في هذه الألواح أن سكان كنعان كانوا يطلقون على أنفسهم بالأكدية اسم “كناهو” kinahu أو كنعانو (Kinanu).
وإذا كان من المعروف تاريخياً أن الكنعانيين سكنوا شواطئ المتوسط الشرقية، فإن مسألة أصلهم لم تعد غامضة. لقد طرح عليهم هيرودوتس المؤرخ اليوناني الشهير سؤاله عن أصلهم ومن أين جاؤوا، فكان جوابهم كما قال إنهم جاؤوا من سواحل البحر الأرتيري، أي البحر المحيط بالجزيرة العربية.
ومع أن هذه الرواية ثابتة منذ زمن طويل، إلا أنه لم يبدأ التحقق منها إلا في القرن العشرين بعد المكتشفات الأثرية المكثفة والمتواصلة منذ القرن التاسع عشر وبخاصة في شرقي الجزيرة وجنوبيها، وبعد إزاحة الستار عن موجات الهجرات التي كانت تنطلق من الجزيرة العربية نحو الشمال والغرب.
ويعتقد الباحثون الآن أن الهجرة الرئيسية هي التي جلبت الأكديين إلى مابين النهرين في حوالي 2350 ق.م، ثم تلتها هجرة ثالثة جاءت بالعموريين مع نهاية الألف الثالث ق.م، وجاءت الهجرة الرابعة بالإرميين (المعروفين وفق التصويت العبري باسم الآراميين الذي أخذ به الباحثون الغربيون ضلالةً). وانتشرت هذه الموجات في الشمال المعروف باسم الهلال الخصيب.