ثانياً: المنهج القرآني لبحث وتحصيل العلم والمعرفة:
1ـ العلم في القرآن الكريم هو الحق اليقيني الثابت بالبرهان القاطع، كما في قوله تعالى في تعميم شامل لكل المعارف:
)قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ([سورة البقرة: 111].
)قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ([سورة الأنعام: 148].
)إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ([سورة يونس: 36].
2ـ القرآن يؤكد ضرورة المشاهدة الصحيحة باستخدام البصر والسمع والعقلمعاً كأساس للمنهج العلمي التجريبي، كما في قوله تعالى:
)ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ([سورة الإسراء: 36].
ويحث على النظر والتدبر في الكون بهدف العلم والإيمان، كما في قوله تعالى: )قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ([سورة يونس: 101].
والتأكيد على المنهج الاستقرائي في النظرة العلمية للبحث عن كيفية تركيب الأشياء، كما في قوله تعالى:
)أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت ([سورة الغاشية: 17 ـ 20].
3ـ القرآن الكريم ينهى عن التقليد الأعمى في تحصيل العلم والمعرفة كسلوك حضاري عام، كما في قوله تعالى:
)وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون ([سورة المائدة: 104].
4ـ يدعو القرآن الكريم دائماً إلى استخدام العقل كأحد أركان العبادة، كما في قوله تعالى:
)إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ([سورة البقرة: 164].
5ـ العلم لا يقف عند حد معين بهدف استمرار التقدم العلمي، كما في قوله تعالى: )وقل رب زدني علماً ([سورة طه: 114].
ولهذا يجب الاستمرار في البحث حتى يأتي اليقين، كما في قوله تعالى:
)لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ([سورة الأنعام: 67].
ومسيرة العلم لن تتوقف؛ لأن كلمات الله في الكون لا نهائية، كما في قوله تعالى: )قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً ([سورة الكهف: 109].
كما أن العلم البشري محدود، بينما العلم الإلهي مطلق ولا نهائي، فالبشرية رغم العصر الحالي للعلم والتكنولوجي ما زالت على الشاطىء، بينما محيط الكون مملوء بالعلم والمعرفة، كما في قوله تعالى:
)وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ([سورة الإسراء: 85].
)نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ([سورة يوسف: 76].
6ـ العلم والمعرفة منحة إلهية للإنسان، كما في قوله تعالى:
)علم الإنسان ما لم يعلم ([سورة العلق: 5].
)ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ([سورة البقرة: 255].
)الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ([سورة الرحمن: 1 ـ 4].
7ـ إسلامية المعرفة تتميز بما يلي:
( أ ) الربانية والتوحيد في المنهج والهدف:
كما في قوله تعالى:
)إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ([سورة آل عمران: 190 ـ 191].
وقوله تعالى:
)لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ([سورة فصلت: 37].
)قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ([سورة الإخلاص: 1 ـ 4].
( ب ) الإنسانية:
أي: المعرفة لصالح الإنسان وخيره وسعادته في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى:
)وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ([سورة الجاثية: 13].
)وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه ([سورة إبراهيم: 32 ـ 34].
ويجب على الإنسان أن يكون سيداً لما سخر له وليس عبداً إلا الله.
( ج ) الشمول والإحاطة:
القرآن الكريم موسوعة تشمل جميع أساسيات المعارف في عالمي الغيب والشهادة تاركاً التفاصيل لاجتهاد البشر، كما في قوله تعالى:
)وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ([سورة الأنعام: 38].
( د ) الوسطية والتوازن:
وتعني التوازن بين الروح والمادة، وبين الفرد والجماعة، وبين الوحي والوجود، وبين الدين والدنيا، وبين الشرعي والمدني في العلوم الإنسانية، أي: المعرفة التي توازن بين كل من الطرفين في منهج مستقيم لا يميل لأحدهما على حساب الآخر، كما في قوله تعالى:
)اهدنا الصراط المستقيم ([سورة الفاتحة: 6].
وهذا التوازن ضروري، لأن الإخلال به يؤدي إما إلى إلحاد مادي كما في الحضارة الحديثة، أو إلى رهبانية كما في المسيحية، بينما الإسلام يرفض النقيضين.
8ـ التوجيه الإسلامي للعلوم يعتمد على ما يلي:
( أ ) الماء أصل الحياة:كما في قوله تعالى:
)وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ([سورة الأنبياء: 30].
( ب ) الوحدنية صفة الخالق،والزوجية صفة المخلوق: كما في قوله تعالى: )ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ([سورة الذاريات: 49].
( ج ) الكون لا يعرف السكون:فالحركة والطواف قوانين شاملة سارية لأجل مسمى، كما في قوله تعالى:
)كل يجري لأجل مسمى ([سورة الرعد: 2].
)كل في فلك يسبحون ([سورة الأنبياء: 33].
( د ) اللانهائية لله وحده،أما الكون فيخضع للمقدار في عالمي الغيب والشهادة، كما في قوله تعالى:
)وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ([سورة الرعد: 8 ـ 9].
( هـ ) الوجود وقوانينه دليل على وحدانية الله، كما في قوله تعالى:
)ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ([سورة الملك: 3].
( و ) الوحدانية ـ وليس التعدد ـ شرط الانتظام والتماثل في السماوات والأرض، كما في قوله تعالى:
)لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ([سورة الأنبياء: 22].
(ق)ثبوت الفطرة وقوانين الكون، كما في قوله تعالى:
)فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ([سورة الروم: 30].
)فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد بسنة الله تحويلاً ([سورة فاطر: 43].
)الشمس والقمر بحسبان ([سورة الرحمن: 5].