﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾؛ أي: من قبل أن يأتِيَ يومُ القيامة الذي لا انتفاعَ فيه بمُبايعة ولا صَدَاقَة، ولا فِداء ولا شَفَاعة، ففي التعبير شبه تحذير مِمَّا يَحدث في يوم القيامة من انتفاءِ المعاوضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذِّكر؛ للإيجاز مع المبالغة في نَفْيِ المعاوضة؛ إذ انتفاءُ البيع يستلزم نَفْيَ الشراء على أبلغ وجه، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾: لفظ الجلالة مبتدأ، وخبره ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾، وفي جعل المبتدأ الاسم الجليل والخبر الاسم الموصول بتلك الأفاعيل العظيمة، من خَلْقِ السَّمَوات وما فيها من الأجرام، والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات، وإنزال الأمطار، وإخراج الثمار، وما يتلوها من الآثار العجيبة - ما لا يَخفى من تربية المهابة والدَّلالة على قوة السلطان.
ولَعَلَّ من المفيد ذكر المناسبة بين هذه الآية وما قبلها، فإنَّه لما ذكر أحوال الكافرين لنعم الله - تعالى - وأمر المؤمنين بإقامة مَراسم الطاعة؛ شكرًا لنعمه، شَرَعَ في تفصيل ما يستوجب على كافَّة الأنام المُثابرة على الشُّكر، والطاعة من النِّعم العظام؛ حثًّا للمؤمنين عليها، وتقريعًا للكافرين المخلِّين بها، وقيل: إنَّه لما أطال الكلام في وصف أحوال السُّعداء والأشقياء، خَتَمَ ذلك بذكر الدلائل الدَّالة على وجود الخالق الحكيم، فقال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾؛ أي: أنزل من السَّحاب المطر، وفي تقدم الجار والمجرور على المنصوب، إمَّا باعتبار كونه مبدأً لنزوله، أو لتشريفه، أو تشويقًا إلى المؤخر.
﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾الذي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار؛ رزقًا للعباد، "من" هنا للتبيين، والثمرات: جمع للدلالة على كثرتها، وتعدُّد أنواعِهَا وأشكالِهَا وطعمها وألوانها ومذاقاتها[1]، و﴿ رِزْقًا ﴾: بمعنى "المرزوق" من المأكول والمشروب والملبوس، فسَبِّحِ الذي أودع في الماء قُوَّةً فاعلة، وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواعُ الثمار، وهو قادر على إيجاد الأشياء بلا أسباب، فهو - سبحانه - مُبْدِع الأسباب.
قال الشيخ سيد قطب: "وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه، فتنطق سطوره الهائلة بنِعَم الله التي لا تحصى: السموات والأرض، الشمس والقمر، الليل والنهار، الأنهار والأمطار، هذه الصَّفحات الكونيَّة المعروضة على الأنظار، ولكنَّ البشر لا ينظرون ولا يقرؤون، ولا يتأملون ولا يشكرون، إنَّ الإنسان لظلوم كَفَّار، يجعل لله أندادًا وهو الخالق الرازق المسخِّر لهذا الإنسان، والمشهد الهائل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه تسير فيه خُطُوط الرب المبدعة: أفكُلُّ هذا الكون الهائل مسخَّر لذلك المخلوق الصغير؟! السموات ينزل منها والأرض تتلقاه، ثُمَّ تخرج به الثمار، والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مُسخرة، والأنهار تَجري بالحياة والأرزاق في مَصلحة الإنسان، والشَّمس والقمر دائبان لا يفتران، والليل والنهار يتعاقبان، أفكل ذلك للإنسان، ثُم لا يشكر ولا يذكر؟!".
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾: بأنْ أقدرَكم على صنعها واستعمالها، وجعلها في مَنفعتكم تَجري في البحر جريًا تابعًا لإرادتكم بأمره، ومشيئته التي يُناط بها كل شيء.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ﴾: بأنْ جَعَلَها مُعدَّة لانتفاعكم؛ حيثُ تتَّخذون منها جداولَ تسقون بها زروعكم، وكذلك يَسَّرَها لكم، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ﴾، يدأبان في سيرها وإنارتِها أصالةً وخلافةً، وإصلاحها لما يناط بها صلاحه من المكونات، فنحنُ نُلاحظ ونُشاهد بأعيننا الشمس والقمر يَجريان بانتظام لا يفتران، وفيها صلاح أنفسنا ومَعاشنا وصلاح زروعنا.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾؛ لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار[2]، فهما يتعاقبان خلفةً لمنامكم ومعاشكم، ولعقد الثمار وإنضاجها.
وفي التعبير بالتسخير في شأن الفلك والأنهار والشمس والقمر، مع ما فيها من صُعُوبة المأخذ وعِزَّة المنال، ما يدُلُّ على عظم السلطان وشِدَّة المحال.
وإبراز كل نعمة في جُملة مُستقلة تنويهًا بشأنها، وتنبيهًا على رفعة مكانتها، وتنصيصًا على أنَّ كلَّ نعمة منها مُستوجبة للشكر.
﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾؛ أي: أعطاكم من كل ما تحتاجون إليه من النِّعم، وما يُصلح أحوالَكم ومَعَاشكم مِمَّا سألتموه بلسان الحال أو المقال.
قال أبو السعود: "أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة، أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ويناط به انتظام أحوالكم على الوجه المقدر".
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾: "إن" للشك؛ أي: لا تطيقون حصرها، ولو إجمالاً، وعَبَّر بالمفرد "نعمة"؛ لأنَّ النعمة الواحدة فيها نعم غير متناهية، فهي أكبر من أن يحصيها عددًا،﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾: الإنسان اسم جنس، "ظَلُومٌ": يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو بوصفه إيَّاها في غير موضعها، أو يظلم نفسه بتعرُّضها للحرمان، أو بتعديه حدود الله، "كَفَّارٌ": شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشِّدَّة يشكو ويجزع، كفار في النِّعْمَة يجمع ويمنع، وكلا الوصفين - "ظَلُوم، وكَفََّار" - من صيغ المُبالغة التي تدل على المبالغة في الفعل، فهو - أي: الإنسان - شديد الظلم لنفسه كثير الكفر بنعمة ربه؛ لأنَّه ينصرف عن شكرها.
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾: ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟
لما كان الحديث في الآيات السَّابقة عن النعم وشكرها أو كفرها، أتى إبراهيم - عليه السلام - كنموذج كامل للإنسان الشاكر العابد، وأشار إلى نعمة أخرى هي من أَجَلِّ النعم، وهي نعمة "الأمن" في دعوة إبراهيم: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾، فالبلد مقصود به مكة، ﴿ آمِنًا ﴾؛ أي: يأمن أهله وساكنوه المعيشة فيه، ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾؛ أي: احمني يا رب وجَنِّبْنِي وأولادي عبادة الأصنام، والغرض تثبيته على ملة التوحيد والإسلام.
﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾؛ أي: الأصنام أضلَّت كثيرًا من الناس، أو كانت سببًا في ضلالهم، وهو تعليل لدعائه، وإنَّما صدَّره بالنداء؛ إظهارًا لاعتنائه به، ورغبة في استجابته.
﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي ﴾: منهم فيما أدعو إليه من التوحيد ومِلَّة الإسلام، ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي ﴾، قال ذلك - عليه السلام - مُبالغة في بيان اختصاصه به؛ أي: متصل بي لا ينفك عني في أمر الدين.
﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾: التعبير بالعصيان يُؤذِن بأن إبراهيم - عليه السلام - مستمر على الدعوة، فعصيان مَن عصى لا ذنبَ لإبراهيم فيه.
﴿ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾: قادر على أنْ تغفرَ له ابتداءً أو بعد توبته[3].
.
﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾: آثر - عليه السلام - ضمير الجماعة؛ لأنَّ الدُّعاء المصدَّر به وما أورده بصدد تمهيد مبادئ إجابته من قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ ﴾ الآية - متعلق بذرِّيته، فالتعرض لوصف ربوبيته - تعالى - لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول.
﴿ مِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾؛ أي: من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر[4] - ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾، وهو وادي مكة - شرفها الله -﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾: عند ظرف لـ"أسكنت"؛ إذ المقصود إظهار كون الإسكان مع فُقدان أسباب المعيشة لمحصن التقرُّب إلى الله - تعالى - والالتجاء إلى جواره الكريم،﴿ الْمُحَرَّمِ ﴾: وصف للبيت؛ حيث حرَّم التعرض له والتهاون به، وهذا يدل على عزة المُلْتَجِئ وعصمته من المكاره.
﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾، وهو متعلق بـ"أسكنت"، وتخصيص الصلاة بالذكر لفضلها وعلو مكانتها، فهي عماد الدين، وتكرير النِّداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة؛ أي: إنَّ الغرض من إسكانهم بذلك الوادي البلقع هو المقصد الأسمى، والمطلب الأسنى، وكل ذلك لتمهيد مَبادِئ إجابة دعائه وإعطاء مسؤوله.
﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي: فاجعل قلوبَ النَّاس تسرع إليهم شوقًا، "من" هنا للتبعيض؛ قال ابن عباس: "لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليهم فارس والرُّوم والناس كلهم، ولكن قال: ﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾، فهم المسلمون"، والمسؤول أو المرجُوُّ هنا توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم، لا لتوجيهها إلى البيت للحج، وإلا لَقيل: تهوي إليه، وتهوي من باب عَلِمَ؛ أي: يُحبُّ، وتعديته بإلى؛ لتضمنه معنى الشوق والنزوع[5].